نظمت جمعية نظرة للثقافة والإعلام، والجمعية المغربية للباحثين في الرحلة بشراكة مع المكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني، ندوة علمية في موضوع “إضاءات نقدية على دراسات وتحقيقات للنص الرحلي”، وذلك يوم السبت 9 ماي 2026 بقاعة عبد الهادي بوطالب التابعة للمكتبة الوسائطية، حيث تمحورت أشغالها حول كتابين رائدين هما: “الرحلة المكية – فرنسا – الحجاز – الجزائر” لأحمد بن العياشي سكيرج، بتحقيق الباحث محمد الأندلسي، و”الرحالون المغاربة وفرنسا في عصر الحماية: مستويات التقاطع والاختلاف” للأستاذ محمد النظام، وقد سير أشغال هذه الندوة العلمية الأستاذ محمد خكلي، مانحا المجال لقراءات نقدية معمقة كشفت عن ثراء النصوص الرحلية وإمكانياتها المعرفية الهائلة.
انطلق النقاش مع المداخلة الأولى التي قدمها الأستاذ مصطفى الزعير تحت عنوان “تمثل الاقتصاد الفرنسي في أعين الرحالة المغاربة من خلال كتاب الرحالون المغاربة وفرنسا في عصر الحماية: مستويات التقاطع والاختلاف”، حيث استهلها بالتأكيد على أن المغرب زمن الحماية الفرنسية (1912-1956) شهد دينامية فكرية فريدة، ارتبطت بتنامي فضول النخبة المغربية تجاه أوروبا عامة وفرنسا خاصة باعتبارها القوة الاستعمارية المهيمنة، مما أفرز نصوصا رحلية كشفت عن وعي جديد تشكل في ظل الاحتكاك المباشر بالآخر الأوروبي. وأكد الزعير أن صورة الاقتصاد الفرنسي حظيت بمركزية بالغة ضمن هذه النصوص، وهو ما يبرز جليا في كتاب محمد النظام الذي يعد مدخلا مهما لفهم طبيعة التمثلات التي تشكلت لدى النخبة المغربية حول النموذج الاقتصادي الفرنسي خلال فترة الحماية، ليس بوصفه منظومة إنتاجية متقدمة فقط، بل أيضا كمرآة تعكس الفوارق الحضارية والاختلالات البنيوية بين المغرب وفرنسا، حيث تجاوز أغلب هؤلاء الرحالة الملاحظة والانبهار إلى محاولة تفسير أسباب التفوق الاقتصادي الفرنسي، محاولا من خلال مداخلته تسليط الضوء على أبعاد هذا التمثل ومدى مساهمته في إحداث مقارنات ضمنية بين النموذجين الفرنسي والمغربي، وبناء وعي تدريجي بمفاهيم التقدم الاقتصادي والحداثة، وإعادة طرح سؤال التنمية والتحديث بالمغرب خلال فترة الحماية في سياق استعماري معقد.
أما المداخلة الثانية، فكانت للأستاذ عبد الواحد بنعضرا، الموسومة بـ “تمثل التمدن الأوربي والمستحدثات التقنية بين اتخاذ المسببات والاعتقاد في الكرامات من خلال الرحلة المكية لأحمد بن العياشي سكيرج”، حيث نبه في مستهلها إلى المجهود الأكاديمي الكبير الذي بذله الباحث محمد الأندلسي في تحقيق هذا العمل الضخم، مستحضرا أن الرحلة المطبوعة تتضمن الجزء الخاص برحلة المؤلف إلى الجزائر لتأسيس “جمعية أوقاف المسلمين بالحرمين الشريفين” والتي كان عضوا فيها، والتي ذيل بها رحلته المكية، كما نبه على ضرورة مقارنة نص هذه الرحلة بنصوص رحلية أخرى مغربية ومصرية معاصرة لها لتعميق النقاش حول المعطيات التي تتضمنها. وجعل الأستاذ بنعضرا من رحلة سكيرج ميدانا لاختبار السؤال الإشكالي التالي: إلى أي حد يعني تصوف الإنسان عدم قدرته على فهم قوانين الطبيعة وتسخيرها لتحسين مستوى عيشه؟ موزعا مداخلته على أربعة محاور متداخلة، تعلق أولها بظرفية الرحلة حيث أثنى على المحقق الذي استوفى عناصر هذه الظرفية مستفيدا من دراسات تناولت السياسة الدينية لفرنسا في شمال إفريقيا والسنغال إبان الحماية، مشيرا إلى عمل فرنسا على استثمار الحج للرد على الدعاية الألمانية المضادة لها في سياق الحرب العظمى، حين منعت الحج رسميا سنة 1915 لتدفعها ضرورة مواجهة تلك الدعاية إلى تمويل سفر الحجاج المغاربة والجزائريين والتونسيين ومسلمي غرب إفريقيا الفرنسية سنوات 1916 و1917 و1918 لإظهار نفسها بمظهر المدافع عن الإسلام والمسلمين، في ظل توقيع معاهدة سايكس بيكو لتقسيم المشرق العربي وقيام شريف مكة حسين بن علي ضد الدولة العثمانية بدعم مالي وعسكري من الحلفاء. وأوضح بنعضرا أن الوفد الديني الذي ضم سكيرج كان مكلفا بمهام عديدة لم يتم الإعلان عن أغلبها، واضح من الاحتفاء الذي استقبل به الوفد في فرنسا وتوشيحهم بالنياشين أن مهامه السرية كانت متعلقة بإقناع شريف مكة بعدم تجاوز حدود معينة ومحاولة إقناع بعض العرب بالتحالف مع القوتين الاستعماريتين.
وانتقل في محوره الثاني إلى تجليات الدعاية الفرنسية في رحلة سكيرج، مؤكدا أن النص شأنه شأن الرحلة نفسها يمثل جزءا من تلك الدعاية، إذ تكررت فيه عبارات الشكر لفرنسا على سياستها الدينية وإصلاحاتها في دول الحماية، حيث كان المؤلف يعمد كل مرة إلى انتهاز مرور القطار من مكان ما لإظهار أهمية الإنجازات الفرنسية خاصة بالمغرب والجزائر، ليكاد نص الرحلة بكامله يكون مدحا لفرنسا ولقدور بن غبريط وذما للألمان الذين نعتهم مرارا ب”دولة الهمجية” أو “أعداء الإنسانية”، مقابل إشارات عابرة وقليلة جدا لسلطانه المولى يوسف وهو ما اعترف به في خاتمة رحلته حين ذكر تقصيره في ذكر الحضرة اليوسفية. أما محوره الثالث فتناول فيه موقف سكيرج من الحرية والتمدن والمرأة والعلوم العصرية من خلال الخطاب المنتج حولها في الرحلة بما في ذلك الفقرات التي بثها من مسامرته الموسومة ب”شحذ الأذهان”، حيث أكد انفتاح المؤلف رغم مرجعيته الدينية مقارنا ذلك بموقفه من التصوير الذي عبر عنه في نص آخر له نشر تحت عنوان “شبه رحلة إلى الجزائر”، متسائلا عن دلالة هذا الانفتاح في سياق راهن. واختتم المحاور بمحوره الرابع المعنون بامتدادات الرحلة، حيث ذكر أنها مليئة بالمعطيات التي ينبغي الوقوف عندها، ومنها كيفية تقبل بعض المغاربة للاستعمار مخالفين بذلك فتاوى مغربية دعت إلى محاربته والجهاد ضده، فضلا عن الفتوى التي استصدرتها الدولة العثمانية سنة 1914 الداعية إلى ضرورة جهاد الاستعمار، متسائلا عما إذا كان انفتاح صاحب الرحلة يعكس تماهيا مع المستعمر أم نفسا ليبراليا لديه وجد أيضا عند غيره، أم أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك. ولم يفته التنبيه على إمكانية تقبل الصوفي للمخترعات الحديثة لأنها تؤكد إمكان وقوع خرق العادة ووقوع الكرامة، مستحضرا في ختام مداخلته بعض أفكار المفكر عبد الله العروي التي استثمرها لتجاوز أية قراءة اختزالية قائمة على المنطق الثنائي، مبرزا أن تصوف سكيرج لا يعني لا عقلانيته في ما يتعلق بأمور السياسة والعلم، مادام يتعامل معهما بواقعية وغايته التوجه إلى الطبيعة، داعيا إلى عرض رحلات صوفية أخرى على البحث لاختبار أكبر لهذه الخلاصة، ومشيرا إلى تعمده اختيار عنوان مداخلته الموحي بالمنطق الثنائي من أجل أشكلة الموضوع واستثارة ذهن المتلقي منذ البداية، مستثمرا ما قامت به مدرسة الحوليات (الأنال) عندما اختارت اسمها المناقض لتوجهها ظاهريا لتجاوز منهجها جوهريا.
وقد شكلت هذه الندوة، التي توجت بتفاعل علمي راق بين الباحثين والحضور، محطة بارزة في مسار الدراسات الرحلية بالمغرب، إذ جمعت بين تحقيق التراث ونقد الممارسة الاستعمارية، وبين قراءة النص في سياقه التاريخي وتأويله في ضوء مقاربات حداثية، مؤكدة على أن النص الرحلي يظل وثيقة حية مفتوحة على كل التأويلات، وأن مهمة الباحث تتجلى في نبش خلفياتها وكشف تناقضاتها الداخلية، بعيدا عن أي اختزال أو تبسيط، وهو ما جسدته هذه الإضاءات النقدية التي قدمت للباحثين وللجمهور نماذج دقيقة في التعامل مع ذاكرة الرحلة بوصفها مرآة للتحولات الكبرى التي عرفها المغرب والعالم العربي في فترة مفصلية من تاريخه الحديث.

