Site icon نظرة للثقافة والإعلام

الأستاذ كمال فهمي في قراءة وتفاعل مع مسرحية “هم”

قراءة وتفاعل الباحث الجمالي الأستاذ كمال فهمي مع عرض مسرحية “هم” لفرقة أنفاس التي عرضت بمسرح عبد الصمد الكنفاوي بالدار البيضاء بوم السبت 31 يناير 2026.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقدم مسرحية “هم”، المأخوذة عن نص لعبدالله زريقة (شاعر وروائي وقاص وناقد وكاتب مسرحي مغربي)، في صيغة دراماتورجية واخراجية لاسماء هوري، تجربة مسرحية تشتغل على تخوم الشعر والفلسفة، وتعيد مساءلة قضايا الهوية، وعلاقة الذات بالآخر وبالعالم، وأزمة الكتابة بوصفها كشفا وجوديا عن الأنا، ووحدة الشاعر وقلقه إزاء إمكان تبليغ صوته ورسائله للآخرين.

تميزت المسرحية بتشخيص كل من زينب علجي، محمد شهير، هاجر الشركي، وعبدالرحيم التميمي، حيث تم الاشتغال على الشخصية باعتبارها دالا مركبا، أنا بصيغة الجمع، يتقاسمها أربعة مؤدين داخل وضعية واحدة متكررة ومتعددة في آن.

ينفتح العرض على لحظات كثيفة من المتعة الجمالية والفكرية، لما يحمله النص من تناص عميق مع نصوص فلسفية وأدبية كبرى، خاصة مع أعمال “جون بول سارتر”، ولا سيما “الأبواب المغلقة” و”الغثيان”، ومع “التحول” (المسخ) لـ “فرانز كافكا”. كما تقوم البنية الفرجوية على تلاحم دقيق بين اللغة، والجسد، والموسيقى، وسيميولوجيا الفضاء واللون، بما يجعل الخشبة مجالا لتفكير حي في جحيم العلاقة مع الآخر، وفي اغتراب الذات داخل عالم معاصر مثقل بالصراعات والتلوث البيئي. وأمام عجز العقل عن الإجابة عن سؤال من أنا، خارج الاسم والجسد والدور الاجتماعي، تضع المسرحية الذات في مواجهة قلق ميتافيزيقي حاد: هل الانسحاب والصمت قدر محتوم، أم أن إمكان الأمل لا يزال قائما؟

تنتهي المسرحية ببارقة أمل دقيقة، دون السقوط في الميلانخوليا أو الجنون أو الانتحار، بما يمنح العمل بعده الاخلاقي والجمالي في آن. فالمسرح هنا لا يقدم أجوبة جاهزة، وإنما يفتح افقا للتساؤل، ويقترح شكلا معاصرا، ما بعد حداثي، يجعل من التجربة الفرجوية ممارسة فكرية، ومن الجمال مجالا لمقاومة العبث، واستعادة المعنى داخل عزلة الإنسان المعاصر.

جدير بالتأكيد، وبالاستناد إلى أن ما يميز الفنان هو الأسلوب الذي يعتمده في السعي إلى بلوغ نوع من التطابق  بين الشكل والمضمون، فإننا نجد في تجربة أسماء  هوري تحققا لذلك في مسرحياتها ؛ “دموع بالكحول”، و”خريف”، ثم في هذه المسرحية  “هم” عن نص شذري يبدو عصيا على الاخراج، لكنها تفوقت في مسرحته كما توفق الممثلون في تمثيل الموقف الذي يؤدونه.

 

Exit mobile version