Site icon نظرة للثقافة والإعلام

المنتدى الأكاديمي الأول للصناعات الثقافية والإبداعية: نحو ثقافة رافعة للتنمية والابتكار الترابي

المنتدى الأكاديمي الأول للصناعات الثقافية والإبداعية: نحو ثقافة رافعة للتنمية والابتكار الترابي

جامعة ابن طفيل تحتضن نقاشا وطنيا حول السياسات الثقافية، التحديات اللغوية، والرهانات الرقمية

نظم ماستر التميز في الصناعات الثقافية والإبداعية بكلية اللغات والآداب والفنون – جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، على مدى يومي 9 و10 يوليوز 2026، المنتدى الأكاديمي الأول للصناعات الثقافية والإبداعية تحت شعار “الصناعات الثقافية والتنمية: الثقافة كرافعة للاقتصاد والإدماج والابتكار الترابي”، وقد احتضنت فعاليات هذا الملتقى الخزانة الجامعية بالجامعة، وساهمت في تنظيمه كل من جمعية منتدى الصناعات الثقافية والإبداعية ومركز الاتصال والوسائط التابع للجامعة. افتتح المنتدى بكلمات الشركاء، حيث تحدث ممثلو فيدرالية الصناعات الثقافية والإبداعية ومؤسسة هبة والمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عن تجارب مؤسساتهم وجهودها في دعم هذا القطاع الحيوي، فيما أشار منسق ماستر الصناعات الثقافية والإبداعية الدكتور عبدالعزيز الراشدي، في كلمة المنظمين، إلى سياق المنتدى والرهان على الجمع بين الأكاديمي والديناميات المدنية في مجال لا يزال بحاجة إلى اجتهاد وجهود مضاعفة أمام قلة الإنتاجات باللغة العربية في الموضوع، بينما شدد رئيس جمعية المنتدى الأكاديمي للصناعات الثقافية والإبداعية محمد العوينة على ضرورة إقامة جسور بين الجامعة والمجتمع المدني لتطوير هذه الصناعات في ظل تحولات مستمرة بفعل الرقمنة.

مراد القادري بطالب بوثيقة مرجعية تحدد الحوكمة وخارطة الطريق ويؤكد “الحاجة ماسة إلى حوار وطني شامل وقانون إطار للثقافة”

توزعت أشغال المنتدى على ثلاث جلسات موضوعاتية، تولى تسيير الأولى منها الدكتور هشام موساوي، حيث افتتحها الأستاذ مراد القادري رئيس بيت الشعر بالمغرب بمداخلة موسومة بـ “السياسة الثقافية: الفرص الضائعة”، استعرض فيها مجموعة من الفرص التي تتيحها المؤسسات الثقافية، مركزا على تجربة مؤسسة المورد الثقافي التي يشغل عضو جمعيتها العمومية، والتي أسهمت في إحداث ماستر في مجال السياسات الثقافية بشراكة مع كلية الآداب بنمسيك، كما أشار إلى تجربة مؤسسة آفاق (الصندوق العربي للثقافة والفنون)، ودعا في معرض مداخلته إلى إطلاق حوار وطني شامل للوصول إلى وثيقة جامعة حول السياسات الثقافية تتضمن خطة وطنية وقانون إطار يحدد آليات الحوكمة ويوضح خارطة الطريق، معبرا عن استبشاره بالمشروع التنموي الجديد، غير أن التقارير الصادرة عنه لم تعبر، في نظره، عن طموحات الفاعلين الثقافيين بل أصابتهم بخيبة كبيرة، متطلعا إلى فرص قادمة تقوم على إرادات فعلية ومشاركة الإدارات الترابية والقطاع الخاص.

فهر الكتاني يكشف عن عقبة كبرى أمام الصناعات الإبداعية “البنوك المغربية لا تجازف بتمويل المستثمرين في الثقافة

تلا ذلك مداخلة الأستاذ فهر الكتاني ممثل فيدرالية الصناعات الثقافية والإبداعية، الذي تناول تجربة الفيدرالية التي تأسست سنة 2017، في سياق سؤال النظر إلى الثقافة في المغرب والتي كانت محصورة في التراث الثقافي فحسب، رغم أن الإبداع المغربي ثري، وأوضح أن الفيدرالية تتوزع على ثلاث عشرة شعبة تغطي كل قطاع ثقافي، وقد أخذت على عاتقها تحقيق الإحصائيات والدراسات اللازمة لتنسيق العمل بين المتدخلين، وأثار إشكالية عزوف البنوك المغربية عن المجازفة بتقديم قروض للمستثمرين في هذا المجال، مؤكدا أن الفيدرالية تراهن على الترافع من أجل تجاوز هذه العقبة. أما الأستاذة نعيمة السامري، ممثلة المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، فقدمت عرضا حول دور هذه المؤسسة الوطنية التي تعود جذورها إلى سنة 1965 وتحولت مؤخرا إلى هيئة للتدبير الجماعي، موضحة أنها تضطلع بأربعة أدوار رئيسية تشمل الجانب القانوني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، من خلال تسليم الرخص ومراقبة استغلال المصنفات وتمثيل المغرب في المنظمات الدولية المختصة.

في الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور عبدالعزيز الراشدي، تمحورت النقاشات حول السياسة الثقافية والمسألة اللغوية، حيث افتتحها الأستاذ عطاء الله الأزمي بالتوقف عند الإشكالات المرتبطة بالمسألة اللغوية واصفا إياها بهاجس كوني ووجودي لا يزال منالا مؤجلا، خصوصا مع تأخر تفعيل مؤسسة دستورية معنية باللغات والثقافة المغربية، وتناول البرنامج الحكومي متوقفا عند تأرجحه بين الإيجابي والسلبي، مسجلا غياب سياسة عمومية فعلية وعدم تجاوب الوزارة مع تقارير المجالس الدستورية، وأكد أن التكريس الدستوري للتعدد اللغوي يقابله غياب سياسة لغوية واضحة أفضى إلى فوضى وتشتت، واختتم بالتأكيد على أن السياسات الثقافية لا تصمد دون تمويل.

السياسة الثقافية بالمغرب تظل مجردا غير قابل للتنفيذ؛ مسعود بوحسين يدعو إلى أجرأة المفهوم وإشراك اقتصاديين متخصصين في الثقافة

 وجاءت مداخلة الأستاذ مسعود بوحسين بعنوان “السياسة الثقافية بالمغرب: للمجتمع أم للثقافة؟” لتطرح تساؤلا حول واقع هذه السياسات التي تظل، وفق رؤيته، مجردا غير قابل للتنفيذ، متسائلا عن عجز الدولة عن إصدار خطة وطنية للثقافة، ومشددا على أن أجرأة المفهوم هي السبيل للوصول إلى إشكالات واقعية، ودعا إلى إشراك تخصصات أخرى كالاقتصاد الثقافي، ورصد أن معظم مبادرات الدولة تنحصر في مساعدة الثقافة عبر الإعانات شأنها شأن صندوق المقاصة، متسائلا عن مخرجات تقييمات المجلس الأعلى للحسابات. أما الأستاذة لبنى الخواجة، فركزت في مداخلتها على الوساطة الثقافية الرقمية ومفارقة القيمة، واقفة عند اقتصاد الانتباه وما يثيره من إشكالات عميقة، خصوصا المفارقة بين تحرير الإبداع البشري من جهة وصناعة الانتباه من جهة أخرى، في سياق تتسارع فيه تحولات الرقمنة وتتعدد منصات الوساطة الثقافية.

سعيد أوعبو مستحضرا مدرسة فرانكفورت في نقد صناعة الثقافة: النطرية النقدية تنبه إلى تسخير الصناعات الثقافية لأجندات معينة

أما الجلسة الثالثة التي أدارها الأستاذ سعيد بشير، فقد اهتمت بالرهانات النظرية والمعرفية للصناعات الثقافية، حيث انطلق الأستاذ سعيد أوعبو في مداخلته من وجهة نظر الدراسات الثقافية المعاصرة مستندا إلى النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت وإسهامات أدورنو وهوركهايمر، متوقفا عند إشكالية تسخير الصناعات الثقافية في خدمة أجندات معينة، ومشيرا إلى أن الدراسات الثقافية، خلافا للدراسات الأدبية، تنهل من مختلف الروافد وتتجاوز منطق التمركز والأحادية لتؤمن بإشراك الآخر والانفتاح على التعدد والاختلاف. بعده، رصد الأستاذ رشيد الخديري في مداخلته الإسهامات النظرية للباحثين المغاربة في هذا الحقل وأثرها على التنمية، مستعرضا أسماء مؤسسة كالراحل محمد بهضوض الذي اهتم بالتراث المادي واللامادي ومشروع المغرب الثقافي، ومحمد لطفي المريني الذي ألف في الثقافة والتنمية من منطلق كونه فاعلا سياسيا شغل منصب الكاتب العام لوزارة الثقافة، فضلا عن إسهامات مصطفى تيليوا وغيرهم، ومؤكدا أن المشترك بين هذه الإسهامات يتمثل في التأرجح بين مفهوم الثقافة الزئبقي وبينها كأسلوب حياة وتعبير عن الوجود الإنساني.

وقد أسفرت مجمل نقاشات المنتدى عن جملة من التوافقات التي أكدت حاجة القطاع الثقافي إلى إرادة سياسية واضحة وتمويل مستدام، وتنسيق حقيقي بين مختلف الفاعلين الأكاديميين والمؤسساتيين والمدنيين، مع رهان جوهري على الجامعة بوصفها فاعلا محوريا في النهوض بالصناعات الثقافية والإبداعية وصناعة المعرفة المؤسسة لها، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والتحديات الهوياتية واللغوية التي تطرحها السياسات العمومية الحالية.

Exit mobile version