Site icon نظرة للثقافة والإعلام

ذ كمال فهمي في قراءة لتجربة الفنان عبدالله بلعباس من خلال بورتريهات عن الشاعرة ليلى بارع

يشكل عمل عبد الله بلعباس الأخير موضوع حديثنا، نموذجا  آخر،  جديدا، متميزا، له خصوصيته في تقاطع  التشكيل والشعر، فقد أنجز قبل ذلك لوحات بورتريهات عن عدد  من الكتاب الأجانب والمغاربة: جون جنيه، إدمون عمران المالح، عبد الفتاح كيليطو… وهو يقدم لنا اليوم بورتريهات عن الشاعرة المتميزة الرقيقة  في شخصها وسعيها إلى الوقوف على تفاصيل الأشياء والحياة؛ “ليلى بارع” التي عرفت بدواوينها المتميزة  ” كل هذا الكلام ” أرض الفراشات السوداء “، “همس الفراشات “، أدمج فيها أشعارا من دواوينها، حيث نجد في كل لوحة صورة وشعرا، حيث يندمج التشكيلي بالشعري.

لقد نقل أشعارها من سند الكتاب إلى سند آخر هو اللوحة؛ بهذه البادرة الجميلة يعبر ويؤرخ  لصداقتهما وقرابتهما الوجدانية والفكرية، يمنحها نوعا آخر من الوجود والخلود، إنه اعتراف  واحتفاء  بالشاعرة والشعر، لا يمكن لنا إلا أن ننوه به  في عصر  قل فيه الاعتراف  بالمبدعين خاصة في حياتهم.

أما من الناحية الفنية، فهو لا يقدم بوروتريهات  مكتملة لجسدها أو وجهها، وهو لا يترجم  بعض ثيمات أشعارها واستعاراتها إلى  صور، أو يلجأ إلى ما يسمى بالرسم   illustration، إنه يضعنا أمام  بورتريهات من الأمام والجانبde face et de profil غير مكتملة inachevées، من زوايا مختلفة، بورتريهات متميزة  وأصيلة، تبتعد عن قواعد  البورتريه الكلاسيكي، هي أقرب بما تتصف به من اختزال وتكثيف إلى أسلوب المينمال أرت المعاصر.

تتجلى أصالته الإبداعية وقيمتها في نظري فيما يقدمه من بورتريهات، في سعيه إلى تمثيل لحظات وجدانية في الإبداع الشعري للشاعرة ليلى بارع؛ تشخيص ما هو داخلي روحي في صورة خارجية مرئية، من خلال تمثيل نوع من التقابل  correspondance     بين ما يرسمه من نظراتها وأشعارها وتفاعله مع تلك الأشعار، إنه إذ يرسم  بتركيز عينيها  ونظرتها من زوايا مختلفة، يسعى إلى تمثيل حقيقتها الداخلية النفسية والروحية، التي تعبر عنها  شعريا، يضعنا هكذا أمام تمرين سيميائي متميز في قراءة اللوحة “البورتريه” في علاقة مع اختياراته من أشعار ليلى بارع. إنه يركز على عينيها ونظرتها من زوايا مختلفة، والعين كما يقال مرآة الروح،  هذا التقاطع بين الرسم والشعر الذي يقدمه لنا، لا يمكن إلا أن أصفه بأنه تجربة أصيلة حقا، جديرة بالاهتمام قد تثير إعجابنا جماليا أم لا، لكنها بورتريهات أصيلة حقا، في تميزها عن البورتيهات الكلاسيكية، وعن الفوتوغرافيا، فآلة تصويره توجد داخله، هي وجدانه وإحساسه وتمثله لما يميز شخصية الشاعرة ليلى بارع وإبداعها، فهو، إن صح القول، لا يرسم بعينيه، وإنما بإحساسه، وهو إذ يركز على العين مرآة الروح وعلى نظرتها، إنما  يدعونا إلى تجاوز المرئي إلى اللامرئي، ويفتح المجال للمتلقي  في القراءة والتأويل، إذ يترك  بورتريهاته عن ليلى بارع الشاعرة غير مكتملة.

Exit mobile version