أصدرت شبكة الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (SCEN-MENA) تقريرها السنوي الثاني تحت عنوان: “صوت الجيل الثالث”، في ديسمبر 2025، لتضعنا أمام وثيقة تركيبية لا تكتفي بالتقييم فقط، وإنما تفتح أفقا للتفكير الاستراتيجي في مستقبل العمل التعاوني بالمنطقة.
حاولت الشبكة من خلال هذا التقرير أن تتجاوز جرد الأنشطة التي نفذتها إلى جانب عدد من الشركاء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى مساءلة السياق وتفكيك الأعطاب واقتراح مسارات بديلة، في لحظة إقليمية تتقاطع عندها الأزمات الاجتماعية والبيئية مع تحولات عميقة في أنماط الانتاج والتنمية.
يرصد التقرير، محطة تنظيمية مفصلية، كان فيها لجمعية نظرة للثقافة والإعلام إسهام تنظيمي، من خلال احتضانها لانعقاد المؤتمر الإقليمي الثاني للشبكة بمدينة الدارالبيضاء في 03 يوليوز 2025، تزامنا مع اليوم العالمي للتعاونيات وإعلان الأمم المتحدة سنة 2025 سنة دولية للتعاونيات. وقد جاء هذا المؤتمر تتويجا لأيام تدريبية في إطار “تكوين مدربين/ات في الإدارة التعاونية والتخطيط التعاوني” في الفترة من 29 يونيو إلى 02 يوليوز 2025.
شكل المؤتمر، بحسب التقرير، فضاء لتثبيت الرؤية الجديدة وتوسيع النقاش حول اقتصاد أكثر عدالة واستقلالا، مع التأكيد على توصيات عملية تخص توسيع التعاون الإقليمي، تطوير نماذج التمويل التضامني، وربط العمل التعاوني بأهداف التنمية المستدامة.
ينطلق التقرير من قراءة تاريخية لمسار الحركة التعاونية، واضعا سنة 2025 ضمن زمن طويل من التحولات. ففي الجيل الأول، كانت التعاونيات جزءا من حركة مقاومة اجتماعية ضد الاستعمار، ورافعة لبناء اقتصاد وطني مستقل، مرتبط بقيم التضامن والتراث المحلي. غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال، التي شهدت توسعا كميا للتجربة بدعم من الدولة، أفرزت ما يسميه التقرير بالجيل الثاني، حيث تحولت العديد من التعاونيات إلى بنيات بيروقراطية، ضعفت فيها المشاركة والديمقراطية الداخلية، وتراجعت روح المبادرة لصالح منطق الوصاية والتبعية.
ثم جاءت مرحلة التحولات النيوليبرالية، منذ منتصف الثمانينيات، لتكشف هشاشة هذا النموذج؛ تراجع الدعم العمومي، وانسحاب الدولة من أدوارها الاجتماعية، جعلا كثيرا من التعاونيات تنهار أو تتحول إلى هياكل شكلية بلا روح، باستثناء تجارب محدودة استطاعت الصمود بفضل تجذرها المجتمعي. في هذا السياق المأزوم، يبرز التقرير ملامح ما يسميه “الجيل الثالث” من الحركة التعاونية: جيل قاعدي، نقدي، ومتشابك مع قضايا العدالة المناخية، السيادة الغذائية، والتمكين الاقتصادي للفئات الهشة. جيل تبلورت ملامحه التنظيمية مع لقاء بيروت سنة 2023، على هامش مخيم العدالة المناخية، حيث تأسست الشبكة كإطار إقليمي للتنسيق وتبادل الخبرات.
على مستوى المضمون، يقترح التقرير إطارا تصوريا جديدا تحت مسمى “الحركة التعاونية الثالثة”، يتجاوز في رؤيته للاقتصاد الاجتماعي والتعاوني كونه مجرد قطاع اقتصادي مواز، إلى جعله نمطا مجتمعيا يمكن الشعوب من ابتكار أدواتها في إدارة الموارد والإنتاج، بما ينسجم مع خصوصياتها البيئية والتاريخية والثقافية. ومن هذا المنطلق، يقدم برنامج عمل مبنيا على محورين متكاملين: محور المعرفة والتطوير، الذي يركز على دراسة الممارسات الفضلى وتحويلها إلى أدلة سياسات وأدوات عملية؛ ومحور التجربة والتمويل، الذي يسعى إلى تطوير نماذج للتمويل والادخار التعاوني كبدائل تضامنية عن آليات التمويل التقليدي.
أحد أبرز خلاصات التقرير يتمثل في تشخيصه لما يسميه “أزمة الهوية التعاونية”، أي الفجوة بين المبادئ المؤسسة للتعاونيات والممارسات الفعلية على الأرض. وفي هذا الإطار، يقترح تصنيفا ثلاثيا للتجارب القائمة: نموذج بيروقراطي تابع للدولة، نموذج “مرسمل” ينزاح نحو منطق السوق والربح، ونموذج مجتمعي قاعدي، رغم هشاشة موارده، يظل الأقرب إلى روح التعاون والديمقراطية الاقتصادية.
التقرير السنوي الثاني 2025

