أحدث الأخبار

كتاب المفكر المغربي علي أومليل: “سؤال الثقافة.. الثقافة العربية في عالم متحول”

+ = -

كتاب المفكر المغربي علي أومليل: “سؤال الثقافة.. الثقافة العربية في عالم متحول”
في كتابه “سؤال الثقافة”، يطرح المفكر المغربي علي أومليل تصورا متقدما للثقافة، لا يقف عند التعريفات النمطية التي تحصرها في ترقية الذوق أو تنمية العقل، بل يقدمها باعتبارها أفقا سياسيا واستراتيجيا حيويا لصياغة سياسات التنمية والتعليم في السياق العربي الراهن. لا يعنى أومليل فقط بتوصيف واقع الثقافة، بل يسعى إلى مساءلتها بوصفها سؤالا مركزيا في عالم يضج بالتحولات.
ثقافة تتجاوز المفاهيم الساكنة
منذ الصفحات الأولى، يتبنى أومليل رؤية تتعدى الطرح التقليدي الذي يربط الثقافة بالمنجز الجمالي أو الرمزي، ليعيد تموضعها كركيزة لإنتاج القيم والمبادرات والابتكار؛ الثقافة، من هذا المنظور، ليست ترفا نخبويا، بل رهان استراتيجي لإنجاز حداثة عقلانية قادرة على مجاراة التحولات الكبرى، وتجاوز مرحلة الخطاب الذي عجز عن الاستجابة لتحديات الحاضر.
من التنوير إلى الحداثة: المثقف والوعي التقدمي
يفرد الكتاب اهتماما خاصا بالمثقفين التنويريين في السياق العربي الحديث، أولئك الذين ظهروا في مطلع القرن العشرين، ومنهم طه حسين وعلي عبد الرازق، حيث حاولوا إعادة تعريف الثقافة من منطلق عقلاني متحرر من الموروث السلفي الجامد. إلا أن أومليل، وهو يتتبع تطور الفكر الليبرالي العربي، لا يغفل عن انتقاده لتحول هذا الفكر –في بعض تجلياته المعاصرة– إلى خطاب مقلد لا يحمل الروح النقدية التي تقتضيها الحداثة، بل يستنسخ نماذج غربية تفتقر إلى البعد الإنساني، وتغلب عليها النفعية.
الثقافة والهوية في عصر العولمة
في أحد فصول الكتاب، يعالج أومليل أثر العولمة وثورة الاتصالات على الثقافة العربية، مشيرا إلى أن هذه التحولات أدت إلى تضخم صراعات الهويات، سواء الدينية أو العرقية أو المذهبية، في العالم العربي. فبدل أن تشكل هذه الهويات نسيجا متداخلا يدعم الوحدة الوطنية، تحولت إلى عناصر تفكيك تهدد التماسك الاجتماعي، وتفرز ولاءات دون وطنية.
الحرية والعدالة: جدل المفاهيم
يتناول أومليل مفهومي الحرية والعدالة من زاوية فلسفية وسوسيولوجية. ففي قراءته لتاريخ الفكر الإسلامي، يلاحظ أن مفهوم “الحرية” لم يتناول كحق طبيعي للفرد، بل اقتصر على الجدل الكلامي والفقهي، ما حال دون تبلوره في شكل قانوني يضمن الحريات الفردية. كما ينتقد اقتصار العدالة في التجارب العربية على البعد التبادلي –أي المساواة في التبادل– دون أن تتجسد في مفهومها التوزيعي، الذي يعنى بتحقيق الإنصاف الاجتماعي وتقليص الفجوات الطبقية.
حوار الثقافات: من الصدام إلى التفاهم
في إطار الجدل العالمي حول “حوار الحضارات”، يرفض أومليل الأطروحات التي تقدم العلاقة بين الثقافات بوصفها مواجهة حتمية. ويرى أن الثقافة لا تزدهر في ظل الرؤية الأصولية المنغلقة، بل في بيئة منفتحة تتبنى قيم التفاعل والتبادل. كما يحمل المناهج التعليمية العربية مسؤولية ضعف الحوار، حيث إنها تظل مشدودة إلى مقاربات تلقينية تقليدية لا تنتج وعيا نقديا مؤهلا للتفاعل مع الآخر.
الدولة والمجتمع: أزمة الشراكة في العالم العربي
في الفصل الختامي، يتحدث أومليل عن خلل العلاقة بين الدولة والمجتمع في السياق العربي، ويشير إلى فشل الدولة العربية في إرساء قواعد شراكة حقيقية مع المجتمع المدني. فقد بقيت الدولة في الغالب حبيسة منطق سلطوي مركزي، تستبطن خطاب التنمية لكنها تهمش الديمقراطية، ما يفضي –في نهاية المطاف– إلى تعطيل إمكانات التحول الحقيقي.
نحو رؤية بديلة للثقافة
يختم علي أومليل كتابه برؤية تؤكد أن الثقافة ليست زينة حضارية أو خطابا رمزيا، بل هي مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي. إن الثقافة التي نحتاجها اليوم هي تلك التي تؤسس لعقلانية نقدية حديثة، تجعل من الإنسان محور السياسات، وتحفز على بناء نموذج تنموي قائم على الكرامة والعدالة والحرية.


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.