بقلم: عبداللطيف الحاجي
دائما ما كانت الثقافة حاملا لتناقض صارخ في إمكانات التوظيف وممكنات الاستثمار، فالثقافة سلاح مزدوج يحمل إمكانيات بناء الجسور بين الشعوب وتعزيز التفاهم، وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون أداة للصراع والهينة.
وفي عالمنا المعاصر، باتت “حروب الثقافة” ظاهرة معقدة تمتد عبر الحدود، وتجد الدول نفسها أمام تحديات جديدة في إدارة هويتها الثقافية وقيمها في مواجهة التجاذبات المتضاربة.
لقد أصبحت “حروب الثقافة” جزءا لا يتجزأ من السياسة الدولية، وهذه الحروب تتجاوز الحدود التقليدية للصراع العسكري أو الاقتصادي، لتلج ميادين جديدة مثل القيم الاجتماعية والهوية الوطنية بالإضافة إلى الدين واللغة؛ فمن تصاعد خطابات الكراهية واستهداف الأقليات الدينية في دولة معينة، حتى وإن كانت الدولة ديمقراطية وعلمانية، وصولا إلى قضايا النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان، تأخذ الصراعات الثقافية طابعا يتميز بالحدة والتأثير في العلاقات بين الدول (نموذج إحراق القرآن في السويد وتصعيد الغضب من طرف تركيا والاستهدافات المتبادلة لجاليتي الدولتين).
يمكننا الاستناد إلى نموذج يخوض أنماط الحروب المختلفة، دون أن يعتبر الحرب الثقافية أقل شأنا من غيرها، ونحيل هنا على روسيا، التي تخوض حربا مدمرة وضروسا ضد أوكرانيا منذ أربع سنوات، لكنها لا تتردد في استخدام خطاب “القيم التقليدية”، لأنها تعتقد أنها تخوض حربا ضد الغرب لا تعتبر أوكرانيا إلا وكيلا له، وبالتالي فخطاب “القيم التقليدية” بالنسبة لروسيا أقوى سلاح لمواجهة ما تعتبره “انحلالا أخلاقيا” قادما من الغرب، في حين نجد أيضا أن الولايات المتحدة الأمريكية تشهد صراعات ثقافية داخلية تركز على قضايا مثل التنوع العرقي وتعريفات النوع الاجتماعي، وهذه الصراعات الثقافية كانت محددا رئيسيا في إعادة انتخاب الرئيس “دونالد ترامب”؛ هذه الأمثلة تسلط الضوء بشكل جلي على أن الثقافة أصبحت ميدانا رئيسيا للمواجهة والتفاوض بين القوى العالمية، وكذلك ورقة يمكنها أن تكون محددا أساسيا في الانتخابات داخل نفس الدولة.
ضمن هذا السياق العالمي، وسعي الدول القوية إلى تصدير نموذجها الثقافي عبر أكثر من قناة، كيف يمكن النظر إلى المغرب بين هويته أو “هوياته” الثقافية والتأثيرات الخارجية؟
يواجه المغرب، ربما على غرار كثير من الدول العربية ودول الجنوب، تحديات خاصة في الحفاظ على هويته الثقافية المتميزة، والتي تمتزج فيها مكونات مختلفة ومتداخلة “أمازيغية، عربية، أندلسية حسانية، إسلامية ويهودية…، إلى جانب البعد الإفريقي والبحر الأبيض المتوسط”، لذلك يسعى المغرب من خلال سياساته الثقافية المتوازنة، إلى ترسيخ قيم الانفتاح والتسامح، مع الحفاظ على ثوابته الحضارية.
لقد عمل المغرب منذ عقود، وما يزال، على صياغة سياسات ثقافية تهدف إلى مواجهة التحديات الناجمة عن العولمة والتوترات الثقافية؛ تتجلى هذه السياسات في السعي إلى:
-الحفاظ على الهوية الوطنية: وتبرز من خلال تعزيز اللغة الأمازيغية باعتبارها مكونا أصيلا للهوية المغربية، إلى جانب اللغة العربية، وقد تجلى ذلك من الالتزام بترسيم اللغة الأمازيغية في دستور 01 يوليوز 2011، وكذلك في الميزانية المخصصة لتعزيز الأمازيغية في مختلف البرامج الحكومية بعد الدستور، والتي بلغت أوجها مع الحكومة الحالية.
-الديبلوماسية الثقافية: يدرك المغرب أهمية الثقافة كأداة لتعزيز مكانته الدولية، خاصة في إفريقيا وأوروبا، لذلك اعتمد مبادرات متعددة مثل “ترميم المساجد والمدار س القرآنية في إفريقيا” و”إنشاء مراكز ثقافية مغربية في الخارج”، كما يسعى المغرب إلى إبراز دوره كجسر ثقافي وروحي بين العالمين العربي والإفريقي من جهة، وأوروبا من جهة أخرى، مستثمرا في موقعه الجغرافي وغناه الثقافي.
-استراتيجيات في مواجهة التطرف الديني والتعصب: وذلك من خلال احتلال المؤسسات الدينية والثقافية لمكانة بارزة في مواجهة خطابات الكراهية والتطرف، مثل مؤسسة “محمد السادس للعلماء الأفارقة”، أو المؤسسات الداخلية وعلى رأسها “إمارة المؤمنين”، التي تسعى إلى بذل جهود في الداخل والخارج، وهي جهود تأتي في إطار رؤية المغرب لتعزيز القيم الإسلامية السمحة القائمة على الوسطية والاعتدال.
-الاستثمار في الثقافة والفنون: يعرف المغرب تزايدا كبيرا للاهتمام بالمهرجانات الثقافية والفنية، ودينامية تتوزع بين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، وذلك من أجل تأكيد الانفتاح على العالم وتقديم صورة البلد الذي يتبنى التنوع والتعددية.
رغم كل هذه السياسات والمؤشرات، فإن المشهد الثقافي المغربي لا يخلو من تحديات، يمكن إبرازها كالتالي:
-التأثيرات الرقمية: تنتشر اليوم في الفضاء الرقمي خطابات كراهية وتشكيك في القيم الثقافية للمجتمعات، ما يجعل الحفاظ على الهوية الثقافية مهمة أكثر تعقيدا، كما أن الوسائل الرقمية أصبحت فضاء لنشر خطابات تواجه التراكمات التي حصلت في المغرب على مستوى تمكين النساء وتعزيز قيم التعددية والتنوع الثقافيين.
-الاستعمار الثقافي الجديد: يواجه المغرب، مثل غيره من دول الجنوب، محاولات فرض قيم وأنماط ثقافية لا تتناسب دائما مع الخصوصيات الثقافية للبلد، لكن الحاجة في هذا التحدي ماسة إلى تحديد معاني الخصوصية وعدم تقليصها لتصبح انغلاقا.
لا يمكن تغافل كون المغرب يعد نموذجا فريدا لإدارة التنوع الثقافي بطريقة تحقق التوازن بين الأصالة والانفتاح، ويقدم شكلا معياريا لتجاوز استغلال الثقافة كأداة للصراع والهيمنة إلى استثمارها في مد الجسور بين الشعوب وتعزيز التفاهم والانفتاح، ويمكن أن يتطور هذا النموذج بالاعتماد على صياغة سياسات ثقافية أكثر تطويرا ووضوحا للفاعلين داخلها، والعمل على استمراريتها لتواكب التحديات الجديدة.
وتبقى السياسات الثقافية الأداة الأساسية لمواجهة التحديات الراهنة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، مع ضرورة تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة، باعتبارها الضامن لمستقبل ثقافي مزدهر في عالم مضطرب.
Post Views: 741