صدر حديثا للباحث رشيد العلوي كتابه الجديد “الدين، الديمقراطية، والفضاء العمومي المغربي”، عن منشورات دار التوحيدي بالرباط (الطبعة الأولى، أبريل 2026)، في عمل يمتد على 364 صفحة، ويقترح مقاربة متعددة الاختصاصات لفهم إحدى أكثر الإشكالات راهنية في الفكر السياسي المغربي.
ويكتسي هذا العمل، الذي يأتي في سياق إصدارات فكرية تواصل مساءلة تحولات المجتمع المغربي، أهمية خاصة بالنظر إلى المسار العلمي والفكري لمؤلفه، إذ يعد رشيد العلوي من الأسماء البحثية التي راكمت حضورا وازنا في النقاش الفلسفي العربي المعاصر، من خلال انشغاله بأسئلة الدين والحداثة والفضاء العمومي.
ولد العلوي سنة 1977 بمدينة طاطا، وتدرج في مساره الأكاديمي إلى أن حصل على الدكتوراه في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بأطروحة وسمها بـ “الدين والديمقراطية في الفضاء العمومي المغربي”، وهي الأطروحة التي تشكل الخلفية النظرية المباشرة لهذا الإصدار.

ولا يقتصر اهتمام العلوي على البحث الأكاديمي فحسب، بل يمتد إلى الفضاء العمومي من خلال مشاركاته المنتظمة في الندوات والمؤتمرات داخل مؤسسات جامعية ومراكز بحثية وهيئات مدنية، إلى جانب تجربته في التدريس بسلك الماستر، حيث أشرف على مواد مرتبطة بدور الدين والتعبير الفني داخل الفضاء العمومي، كما ساهم في تكوين مفتشي التعليم بالرباط. هذا التداخل بين البحث والتأطير البيداغوجي يمنح كتاباته طابعا تركيبيا يجمع بين العمق النظري والوعي بالسياق.
ويندرج هذا الكتاب ضمن مشروع فكري متكامل، باعتباره امتدادا لعمله السابق “الدين في الفضاء العمومي: جدلية الإيمان والمعرفة في خطاب الحداثة” (2023)، حيث انتقل فيه من التأصيل المفاهيمي إلى تحليل أكثر التصاقا بالبنية السياسية والاجتماعية المغربية. وفي هذا الإطار، يستثمر العلوي عدة أدوات تحليلية تنتمي إلى الحقول الفلسفية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية، من أجل تفكيك آليات اشتغال النسق السياسي المغربي، ورصد أشكال التداخل بين الديني والسياسي في تدبير الشأن العام.

يقارب المؤلف إشكالية الدين والديمقراطية باعتبارها سؤالا مركزيا في فهم طبيعة الفضاء العمومي المغربي، مميزا بين مرحلتين أساسيتين في تطوره: مرحلة الانغلاق ومرحلة الانفتاح، بما تعكسه كل منهما من تحولات في بنية الفاعلين وأنماط التفاعل داخل المجتمع. كما يبرز كيف أن نظام الملكية الدستورية يؤسس لنوع من التداخل بين الشرعية الدينية والشرعية الديمقراطية، وهو تداخل لا يخلو من توتر، لكنه يفتح في الآن نفسه إمكانات لإعادة بناء نموذج سياسي حداثي قائم على قيم السيادة والحق والقانون والحرية.
وإلى جانب هذا التحليل البنيوي، يستحضر العلوي محطات مفصلية في التاريخ السياسي المغربي، خاصة النقاشات التي رافقت مفاهيم العدالة الانتقالية والإنصاف والمصالحة، وما أفرزته من سجالات نظرية عكست صعوبة الإحاطة بتحولات النسق السياسي. كما يخصص حيزا مهما لتجربة حركة 20 فبراير، بوصفها لحظة دالة على دينامية التغيير داخل المجتمع، وعلى التحولات التي مست البنيات السياسية والقيم الاجتماعية تحت تأثير العولمة.
ويعزز هذا العمل رصيد العلوي من المؤلفات، من قبيل “الفلسفة بصيغة المؤنث”، و”الشر: الدين وخطاب الحداثة”، و”الجوهر في فلسفة ابن رشد”، فضلا عن مشاركته في أعمال جماعية حول الفعل السياسي وفلسفة حنة آرنت، إلى جانب عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات محكمة وصحف عربية، حيث واظب منذ سنوات على المساهمة في النقاش العمومي عبر الكتابة الفكرية الرصينة.

بهذا المعنى، لا يكتفي كتاب “الدين، الديمقراطية، والفضاء العمومي المغربي” بتقديم مجرد قراءة وصفية لواقع قائم، بل يندرج ضمن محاولة فكرية أوسع لإعادة التفكير في شروط إمكان التحديث السياسي في المغرب، في أفق تحقيق توازن دقيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات البناء الديمقراطي، وهو أفق يظل مفتوحا على أسئلة المستقبل بقدر ما هو مشدود إلى تعقيدات الحاضر.
Post Views: 73