أحدث الأخبار

السريالية والخيبات المتداخلة في رواية “عودة المرحوم” للروائي “حسن البحراوي”

+ = -

 

قراءة في رواية “عودة المرحوم” لمؤلفها الروائي المغربي “حسن البحراوي” تقع الرواية في 233 صفحة من القطع المتوسط، صادرة عن “دار أبي رقراق للطباعة والنشر” في طبعة أولى سنة 2019.

 عودة المرحوم الأولى: سريالية التجلي

ينطلق السارد في رواية “عودة المرحوم” من مشهد يبدو مألوفا، شخص يجلس إلى مائدته في حانة، غير أن السارد يعبر عن شعور الخوف والقلق من هذا المشهد، وسنستمر على مدى صفحتين مستغربين من هذا الشعور، فهو يتحدث عن شخص “رحل عنا قبل أربعة عقود؟”، ولكن إلى أين رحل؟ لا نعرف هذا إلا في الصفحة الثانية وهو يشير إلى صديق مشترك يتحدث عن رؤيته للشخص عدة مرات بعد “موته” ب 10 سنوات، ثم يتحدث السارد عن استياء العائد بعد 4 عقود من رحيله وتدمر عموم الموتى من إهمال مفرط تتعرض له المقبرة التي يقطنونها.

“هل سبق وشاهدتم شخصا ميتا يجلس في حانة وهو يشرب ويأكل ويدخن ويتابع مباراة دولية في كرة القدم؟؟”، بهذا يخاطبنا السارد في الصفحة 18 من الرواية، وبهذا يكون قد أدخلنا عالما سرياليا، يبدأ بالمراقبة المتكررة من السارد، ثم يمر عبر توجه “الميت” نحوه من أجل بحث مسألة “الإهمال الذي تتعرض له المقبرة”، ليبدأ مسلسل من اللقاءات المتكررة بنفس الحانة وفي توقيت محدد من الليل، وبروز مجموعة من الأحداث المثيرة للريبة أحيانا وللإحراج أحيانا أخرى.

بعد اللقاءات الأولى، يغيب “الميت” لفترة من الزمن حتى يترسخ اعتقاد لدى السارد بأنه لن يعود مطلقا إلى الظهور، إلا أن هذا الاعتقاد سيتبدد بعد العودة المفاجئة في أحد أيام الربيع، وستزداد المفاجأة عندما يخبر صاحبنا السارد بأنه ذاهب إلى إجراء حوار مع شاعر من منطقة “سيدي حجاج” بإيعاز من مدير التحرير في جريدة، يجمعه بالشاعر الانتماء إلى نفس المنطقة “بن أحمد”، المفاجأة هنا أن الشاعر المقصود بالحوار هو “سيدي امحمد البهلول” المعروف ب “عزري العلوة”، وقد غادر عالم الأحياء منذ عدة قرون.

تتوالى الأحداث بشكل غرائبي، ما يجعل السارد يستدعي صديقهما المشترك “الزيادي”، عندما يحكي له أول مرة عن ظهور “الصديق الميت منذ أربعة عقود” ستكون ردة الفعل متوقعة، ويعتبرها هلوسات رجل يعاني من مزاج مريب، إلا أنه سيشرك السارد في ما حدث له مرات كثيرة، من رؤيته لصديقهما المشترك في تنقلاته بين المدن البعيدة وفي الأطلس المتوسط، وكان يعتبر هذا من باب الشبه، وكاد حينا أن يتوجه لشخص ليسأله عن علاقة محتملة مع “المرحوم” لولا أنه أحجم.

يستمر السارد في تقديم مجموعة من الأحداث المرتبطة ب “عودة المرحوم حماد”،  ويصف الإحراج المتكرر الذي سيقع فيه بسبب هذه العودة، فالمرحوم يتعامل بنقود تعود لحقبة الستينات والسبعينات، وكان النادل قد عبر للسارد عن الريبة المحيطة بهذا الشخص، بدءا من لباسه وهيئته، وصولا إلى مسألة النقود، ليتعهد السارد أمام النادل بتبديل النقود التي يحصل عليها من المرحوم بنقود جديدة محاولا أن يرفع الريبة عن “المرحوم” بالادعاء أنه مولع بكل ما هو قديم، وعندما يتجمع له قدر كبير من المال عبر هذه العملية سيتوجه به، بعد استشارة وكيله البنكي، إلى مصالح بنك المغرب التي أحالته على متحفها للنقود القديمة، وهنا سيقع في مشكل آخر، عندما سئل عن مصدر هذه الأموال، وسيقول بأنها لجدته الميتة حديثا وقد وجدت في صندوق لها، لكن سيطالبه المسؤول بإحضار وثيقة تنازل الورثة، غير أنه سيتخلص من الأمر بادعاء أن هذا كل ما تركته الجدة ولم تخلف تركة تستحق الإراثة…، مشكلة أخرى أكبر ستطرح أمام السارد عندما يعبر له “المرحوم” عن نيته في الزواج بسيدة تمر من أمام الحانة في ساعة معينة من الليل، غير أن هذا الأمر سيسير بشكل سلس بعدما شغل السارد فترة محددة، إذ  سيتزوج “المرحوم” وسيتابعهما السارد في ليال متعددة ليرى أن وجهتهما هي المقبرة، وهنا يظل سؤال مفتوح من طرف القارئ: ألا تكون السيدة المقصودة أيضا هي في عداد الأموات؟

ليس هذا هو السؤال الوحيد الذي سيطرحه القارئ طيلة الفصل الأول من “عودة المرحوم”، بل هناك أسئلة أخرى ومن بين الأكثرها إلحاحا، ما يمكن أن نسميه “سؤالا إشكاليا”: هل فعلا المرحوم قام من الأموات وعاد إلى الظهور جسدا وروحا، وتبادل مع السارد الكلام والهموم التي تشغله والمبادرة التي أراد تنفيذها والمتعلقة بتنظيم قراءة شعرية بحضور شاعره “سيدي امحمد البهلول” (المتوفى منذ قرون)، وإقدامه على الزواج من امرأة ذات جلباب أزرق تعبر من أمام الحانة في ساعة محددة من الليل؟

ما يبرر هذه الأسئلة هو ما ختم به السارد الفصل الأول، وما يمكن أن نستشفه أيضا من مرافقة صديقهما “الزيادي” له من أجل رؤية “حماد” في الحانة والتأكد من كونه فعلا هو، فبغض النظر عن كون “الزيادي” على لسان السارد أسر له “بعد مرور وقت على هذا اللقاء… عن برودة تلك اليد التي بعثت القشعريرة في كامل جسمه وجعلته يتقين يقينا تاما بأن الأمر يتعلق فعلا بيد شخص ميت” (الرواية ص 29)، إلا أن عدم تبادل الكلام بين “الزيادي” والمرحوم “حماد”، ونصيحة الزيادي في آخر الفصل للسارد بالكف عن ارتياد الحانات وغشيان الفضاءات المشبوهة وتجريب الذهاب للمسجد، وربطه لظهور “حماد أو شبيهه” بإشارة إلهية لها دلالة الكف عن هذا المسار، وتأكيد السارد بنفسه على أنه يعيش “الإفراط في احتساء البيرة وغيرها من المشروبات الكحولية التي كانت تنتهي بإذهاب عقلي وتجعلني ألتزم الطواف على الأماكن الفاسدة طوال الليل حتى صرت مضرب الأمثال في الصعلكة والترنح في الطرقات..” (الرواية ص 38)، كلها أشياء قد تثير الشك في أن يكون السارد فعلا كان يجالس “المرحوم حماد”، أم أن الأمر لا يعدو ضربا من هلوسات السكارى.

ما سبق كان، ما أفضل تسميته ب “العودة الأولى للمرحوم”، وهي عودة اختار السارد أن تكون “سريالية”، شخص يقوم من الأموات بعد أربعة عقود من وفاته، ويخالط الناس من خلال حانة “نهار ليل”، غير أنه يأخذ مكانا قصيا وينزوي، لا يدخل في نقاش إلا مع السارد، ينطلق في عادات لم تكن أبدا من عاداته قبل الوفاة، حيث يخبرنا السارد أنه كان منشغلا بمشاهدة مباراة دولية على التلفاز أثناء حديث السارد مع صديقهما “الزيادي”، وحيث أنه أشركه في رغبته بالزواج “وفي الماضي لم تكن الحياة العاطفية لحماد تثير انتباه أي أحد..” (الرواية ص 34)، ثم اهتمامه بشاعر “شعبي” هو “سيدي امحمد البهلول” المكنى ب “عزري العلوة”، بعدما كان اهتمام “حماد” في حياته بالشعر “الفصيح” على امتداد العالم العربي، وهي كلها أشياء جعلت السارد يخلص في لحظة إلى ملاحظة مفادها أن “في كلام حماد ما يشي بأنه النسخة وليس الأصل.. مرة في إثر مرة ولقاء بعد لقاء يترسخ لدي الشعور بأن شيئا ما طرأ على حياة الرجل وجعل كثيرا من ملامحه الذهنية والسلوكية تسير إلى تغيير كبير بهذا القدر أو ذاك…” (الرواية ص 16).

عودة المرحوم الثانية: الأصل وليس النسخة

كان الفصل الأول مجرد مدخل فضل الكاتب –عبر سارده- أن يجعله سرياليا وذلك من أجل التمهيد للعودة الحقيقية للمرحوم، عودته عبر واحد من أعز أصدقائه وأقربهم إليه، ويشكل هذا الفصل عشر الرواية، أي فصل واحد ضمن عشرة فصول.

ابتداء من الفصل الثاني سيقوم السارد باستعادة تقودنا نحو بداية السبعينات، انطلاقا من حصول بطل الرواية “حماد” على الباكالوريا، وكان مساره الذي تحكمه ظروفه الاقتصادية سيقوده إلى ارتياد مدرسة المعلمين، إلا أن طموحه غير المحدود وذائقته الأدبية جعلاه يغامر بالتسجيل في صفوف المدرسة العليا للأساتذة بفاس، وهنا سيقودنا السارد إلى فضاء آخر من فضاءات هذه الرواية المتعددة، حيث سيرحل “حماد” عن مدينة المحمدية في اتجاه فاس والإقامة في الحي الجامعي “ظهر المهراز”.

خلال “رحلة ظهر المهراز” سنتعرف مع “حماد” عبر السارد على الحركة الثقافية بالمغرب سنوات السبعينات، بكثير من الحبكة التي تنقل النص من “الأنطولوجية” إلى السرد الروائي الذي يفتح القارئ أمام عوالم مكتبية كبيرة، نتعرف على الشعراء والكتاب الذين أثروا في المرحلة من المشرق والمغرب، ونشهد بداية بروز أدباء مغاربة نعتبرهم اليوم من الجيل الأول، وقد صنف السارد خلال هذه الرحلة “حماد” ضمن شعراء المرحلة “فظهر بينهم الشعراء كمحمد بنيس وعبدالله راجع وأحمد بنطلحة وأحمد بلبدواي وحماد نفسه…” (الرواية ص 45). بعد ذلك سنتعرف على “حماد” كمناضل ضمن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو الأمر الذي سينعكس على نشاطه الأدبي “وهكذا تضاعفت انشغالاته السياسية على حساب اهتماماته الثقافية والأدبية التي كانت تأخذ جميع وقته…” (الرواية ص 47)، ومن ضمن الانشغالات السياسية ما سينخرط فيه الطلبة من نقل للنضال من أسوار الجامعة ليطل على أحزمة البؤس التي تحيط بها من كل الجهات، وسينطلقون في فتح حوارات مع العمال والمياومين والعمال الزراعيين والخماسة والرباعة…

سيمر السارد بنا عبر محطة “المدرسة العليا للأساتذة” لأبوابها بأمر من الملك الحسن الثاني، وما سيعانيه “حماد” بعد ذلك من توقف للمنحة، حيث سيعود أدراجه إلى مدينة المحمدية وسيقضي أوقاته في “سياحة يومية” لتبديد الوقت والملالة والسأم، وسيكون “الزيادي” هو المعين في هذه الفترة بما يجمعه من أصدقاء ومعارف “حماد” وهذا الأخير لم يكن ليقبل بالمساعدات لولا تغليفها من طرف “الزيادي” بعبارة “مساهمة نضالية من الرفاق”، والواقع أننا لحد الآن لم نعرف “رفاقا” بالمعنى السياسي لحماد في مدينة المحمدية.

سيقودنا السارد خلال الفصول التسعة من الرواية في رحلة استرجاع لحياة “حماد” وثلة من أصدقائه، والمبادرات التي كان يطلقها أو يساهم في إطلاقها، كإضراب التلاميذ بثانوية “بن ياسين” أو المساهمة المتميزة في “المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب” من خلال لجنة “الدفاع عن الحق في التعليم”، وحيث أن المؤتمر قد انعقد بكلية العلوم المتاخمة للقصر الملكي بمنطقة أكدال، خلال شهر غشت سنة 1972، سيصادف “المحاولة الانقلابية” التي تعرض لها الملك خلال تلك السنة، غير بعيد عن مكان انعقاد المؤتمر. سنعيش خلال فصول الرواية أحداثا أخرى لم يقف عندها السارد كثيرا، ما جعل الرواية عملا ينطلق من هوامش الأحداث لا مراكزها، فهو يتحدث عن بروز اليسار الجديد، والمجموعات التي انقسم إليها، كما سيتحدث عن إضرابات التلاميذ والاعتقالات في صفوف اليسار والحظر العملي على “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، دون أن يقع في “الرواية السياسية للمرحلة”، يجعلنا نستشف ما نريد من خلال ربط تلك الأحداث بحياة “حماد” وأصدقائه الذين لم تكن بينهم رابطة سياسية ولا ثقافية، بل برع الكاتب في جعل كل صديق ضمن “شلة احماد” له اهتمامات مختلفة، بينهم المثقف والأمي، صاحب القضية ومن تحكمه “اللامبالاة”…. غير أن هناك ما يجمع بين كل هذه الأحداث والشخصيات، وهو أمر متروك للقارئ على أية حال.

أزمنة الرواية وفضاءاتها

نجد أنفسنا في رواية “عودة المرحوم” أمام زمنين، الزمن الأول هو زمن السرد، وهذا الزمن نفسه كان حافلا بالأحداث والوقائع من خلال الفصل الأول في الرواية، بشكل سريالي يستعيد الكاتب بطل روايته “حماد” من عالم الموتى، ويجعل له حياة مع السارد، هي ما سينقلنا من خلالها إلى “زمن الأحداث” الرئيسية التي تجري خلال سنوات السبعينات، وفي نهاية الرواية سينقلنا في لمحة خاطفة إلى نهاية الأربعينات حيث ولادة حماد وتنقل عائلته بين فضاءات متعددة، قبل أن يستقر المقام بمدينة المحمدية.

هذا ينقلنا إلى الحديث عن فضاءات الرواية المتعددة، تنطلق من الاستعادة بحانة “نهار ليل” بمدينة المحمدية، ثم مدينة فاس والحي الجامعي ظهر المهراز، فالعودة إلى مدينة المحمدية، مرورا بمختلف فضاءاتها من مرسى ومقاهي وشاطئ “مانسمان”، ثم بادية دمنات حيث أخوال “حماد” ومرتع ذكريات طفولته، ثم ضاحية تزنيت بمنطقة جبلية تسمى تازروالت، حيث كان السارد معلما للفرنسية بإحدى المدارس الابتدائية، فمنطقة “البئر الجديد” ضواحي مدينة الدارالبيضاء حيث كان “حماد” يشتغل أستاذا بإحدى الثانويات”… وهي فضاءات متعددة تجمعها علاقة التأثير والتأثر بشخصيات الرواية.

خلاصات قارئ غير ناقد

ما سبق هو عرض ومراجعة لرواية شدتني إليها بأسلوب كاتبها وإبداعه، ولأنني لست متخصصا في النقد الأدبي، فإنني ما خرجت به من خلاصات سيظل في شق “القراءة غير النقدية”؛ بداية رغم أنني ركزت في نقل أحداث الرواية بمركزتها حول بطلها “حماد”، إلى أن الرواية ليست سيرة غيرية له، ولا سيرة ذاتية للسارد، بل هي سيرة جيل عاش الكثير من الخيبات يمكن أن نلخصها فيما يلي:

خيبة التغيير: حيث أن الاستعادة التي قام بها السارد لحياة مناضل اختطفه الموت في ريعان شبابه، أكد من خلالها، وأيضا عبر الرسائل المشار إليها في الفصل الأخير من الرواية، أن الزمن تغير بظهور وسائل تكنولوجية حديثة، غير أن الواقع لا زال هو هو، والسارد نفسه يعبر عن مأساة لم تفارقه منذ رحيل “حماد” ولعلها مأساة لم تفارق الوطن طيلة هذه السنوات.

خيبة الحب: لعل الكاتب عندما جعل “حماد” في الفصل الأول وهو في عداد الأموات، أو “العائدين من الموت”، يرغب في الزواج كحدث مركزي ضمن أحداث هذه العودة، يريد أن يعوض “حماد” عن حب لم يقدر له الاستمرار، بل وخرج منه البطل بخيبات كثيرة، والسارد نفسه أحب “دنيا” وكان “حماد” يبارك هذا الحب ويساعد في تنميته، حتى لا تتكرر خيبته ربما، وفي الأخير ستتزوج مهندسا ترحل معه إلى بلد في إفريقيا جنوب الصحراء.

خيبة الاعتراف: تتجلى مع كل شخوص الرواية، بدءا من حماد نفسه الذي يصفه السارد بالشاعر الكبير، ثم “ساجد” الفنان التشكيلي الذي سيأخذ “حماد” بيده نحو فاس من أجل لقاء فنان آخر هو “الأحرش” صاحب المنحوتات التي تضاهي مجسمات موجودة بالفاتيكان واللوفر، سيجد نفسه يعيش بجناح داخل كنيسة بفاس بعد طرد صاحب الكراء له من البيت عندما عجز عن أداء مستحقاته، وصديقه الفنان “العلوي” الذي وصفوه في جلستهم بفاس ب “الفنان الكبير… خريج معهد الفنون بتطوان وحاصل على شهادة عليا من مدارس الفنون بفرنسا وبلجيكا” (الرواية ص 166)، ستبدأ مشكلته بالمغرب حيث لم يجد الاعتراف المستحق لموهبته…

ربما التيمة التي يمكن أن نعتبرها محور هذه الرواية، هي تيمة “الخيبة”، تتجلى في “الزيتوني” الفرنسي الذي لم ينجح في دراسته وتحقيق طموح عائلته، في “المكي” الأمازيغي الذي لم ينجح فيما نجح فيه إخوته بالتجارة، “الزيادي” الذي يعبر عن استيائه من استنكار الجيل الجديد لتضحيات حزب الاستقلال، وخصوصا اليسار الجديد الذي يعتبره أكبر مسيء لتجربته، ثم السارد الذي وجد نفسه بعد أربعين سنة على رحيل “حماد” لا يبارح الحانات ولا زال مرتبطا إلى مرحلة السبعينات، حتى وصل به الحال إلى استدعاء “حماد” كرمز لهذه المرحلة من خلال العودة الجسدية، ثم من خلال الاستعادة للأحداث والذكريات، وإن كانت هذه الاستعادة جزء من الاعتراف نحو تجربة “حماد”، أو تجربة جيل يشكل “حماد” عنوانا له، دون الحديث طبعا عن الخيبة الكبرى، “خيبة حماد” أو “خيبة جيل” كان يحلم بتغيير جذري محملا بخلفية ثقافية فيها التنوع والزخم، غير أنه حين عودته بعد أربعين سنة لم يفكر في غير استعادة شاعر من حقبة قديمة “في تجسيد لعود أبدي”، والزواج من امرأة لسنا ندري أهي من الأحياء أم الأموات، ومتابعة مباريات دولية لكرة القدم في لامبالاة ظاهرة.

مفاتيح هامشية: شخصيات الرواية

تحفل الرواية بشخصيات متعددة، لكل شخصية خلفيتها وطموحاتها (أو لا طموحاتها)، لامبالاتها، مآسيها…، لم أركز على الشخصيات في ما سبق، لأترك المجال لكل قارئ أن يموضع مكان كل شخصية الشخصيات التي صادفها في حياته أو عايشها داخل تنظيمات سياسية وثقافية، فكل شخصية داخل هذه الرواية تعبر عن فئة داخل المجتمع، وكل هذه الشخصيات سبق أن صادفتموهم أو حكى لكم أحد عمن يشبههم من الفاعلين داخل زمن السبعينات، ومع ذلك لا ضير أن أنقل لكم من داخل الرواية توصيفات اختارها السارد لبعض الشخصيات يمكن أن تساعدكم على أخذ فكرة، أو تحفزكم أكثر للتعرف عليهم والبحث عن الرواية من أجل مجالستهم:

“ساجد: مغني البوب الوحيد من طينته في المدينة بأسرها.. أول من حمل المكروفون وصدح بأعلى صوت..

أوليفي: الدراج المحنك على فتاء سنه ومالك دراجة الدافيد هاتسون الفريدة في البلد.. (إضافة: أطلق عليه حماد إسم الزيتوني تعريبا لإسمه)

حماد: شاعر الحداثة والالتزام ومتزعم حركة النشر في الملاحق والصحف وصاحب أعلى شهادة وأكبر مكتبة..

المكي: نقيض أبناء جلدته من الأمازيغ لاتخاذه أسلوب العمل في الظلام.. واعتماده التهريب لكسب العيش” (الرواية ص 121)

(أضيف) السارد: وهو معلم للغة الفرنسية بقرية تازورالت ضواحي تيزنيت، صديق مقرب من حماد جدا، وتلميذ له في النضال والأدب.. (وفوق كل هذا وذاك هو سارد عليم، ينقل لنا الأحداث التي لم يكن فيها مشاركا وكأنه من وضبها).

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.