أشار التشكيلي والناقد المغربي “شفيق الزكاري”، في مداخلة حول “السياسات الثقافية: بين حسن وسوء الإنصات للمثقفين”، إلى أن الحديث عن السياسات الثقافية في برامج الأحزاب السياسية أصبح منعدما، خلافا لما كان سابقا عندما كانت السياسات الثقافية مقوما لأي إصلاح، ورهان الأحزاب عليها لم يعد بنفس المستوى. ويرجع سبب هذا الغياب –بالنسبة للمتحدث- إلى نوعية المنخرطين في هذه الأحزاب، واعتماد هذه الأخيرة على استقطاب المنخرطين على أساس مادي، ما جعل هذه الوضعية تفرز نماذج هجينة.
واعتبر التشكيلي “شفيق الزكاري”، الذي كان متدخلا في مائدة مستديرة حول موضوع “السياسات الثقافية في أدبيات وبرامج الأحزاب السياسية” المنظمة بتاريخ 13 يوليوز 2019 بمدينة المحمدية من طرف شبكة الفضاء الحر ومؤسسة المورد الثقافي في إطار مشروع “من أجل سياسات ثقافية في قلب الاهتمامات الحزبية” الذي يشرف عليه الباحث عبداللطيف الحاجي، (اعتبر) أن السياسي اليوم لم يعد ينصت إلى المثقف، رغم أن هذا الأخير هو الذي كان في فترة ما من تاريخ المغرب يجر السياسي.
ودعا شفيق الزكاري من خلال مداخلته في هذا اللقاء إلى تفعيل دور الفنانين والاستشارة معهم في تدبير شؤون المدينة (مثلا)، خصوصا فيما يتعلق بتزيين الفضاءات وتأثيثها للحد من الضغوط اليومية للمواطن وتحسيسه بأهمية الجمال في حياته اليومية، كما أكد على ضرورة الحفاظ على ذاكرة المدن الذي أصبح أمرا ملحا، خصوصا أمام اكتساح العقار دون اعتبار للمكانة التاريخية لمجموعة من الفضاءات، وكذا الدعوة إلى تسمية شوارع وأزقة بأسماء مبدعين.
أما الكاتب والروائي “حميد المصباحي” فإنه يؤكد على أن الأحزاب لا تكتب كثيرا عن الجانب الثقافي، ويرجع ذلك إلى أنه في حمأة الانتخابات لا أحد يعير هذا الجانب اهتماما، لأن الناخب يبحث في وعود الأحزاب عما يتعلق باحتياجاته الأساسية، كالشغل بالنسبة للعاطلين وغيرها من الاهتمامات الملحة والآنية، أما فيما يتعلق بالجانب الثقافي فستعثر في برامج هذه الأحزاب على كلمات فضفاضة.
وحتى من الناحية التاريخية، يرى المتدخل بأنه دائما ما كان هناك مشكل في ربط الثقافة بالممارسة السياسية، إذ كانت هناك تجربتين؛ تجربة حزب التحرر والاشتراكية، والذي حاول التحرر من الأممي الدولي لأنه مكلف وليس بأي هدف آخر، ثم تجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي لم يجهد نفسه التفكير في المسألة الثقافية بنوع من الكسل الفكري. وما كان سائدا في التجارب التاريخية للأحزاب السياسية –حسب المتحدث- والذي كان مطلوبا هو تبعية المثقف للحزب فيما تمت تسميته بـ “المثقف العضوي”.
وفي الراهن، يرى حميد المصباحي بأن ربط الثقافة بالهوية جعلنا نهرب من اصطدام لنقع في اصطدام أكبر يتمثل في “ثوابت الدولة”، والأحزاب السياسية أصبحت تركز على “الثقافة الشعبية”، وبالتالي نصبح أمام مواجهة “هيمنة الديني” بـ “هيمنة العرقي الثقافي”.
تفاعل جمهور الحاضرين، المكونين من فاعلين ثقافيين ومهتمين بالمسألة الثقافية، مع المداخلتين السابقتين بالاتفاق في التوجه العام حينا، وبالتركيز على بعض الاستثناءات أحيانا، حيث أكدت بعض المداخلات على أن الأحزاب السياسية تعتبر المسألة الثقافية ترفا وهذا خطير، لأن كل المشاريع يجب أن تكون القاطرة فيها هي الشأن الثقافي، كما أن هناك تجارب سياسية بالمغرب كانت تعتبر الحديث عن المسألة الثقافية يهم الأمازيغية فقط.
فيما أكدت مداخلات أخرى على أن الخطاب السياسي واليومي المباشر يختلف من حزب إلى آخر، لأن هناك هويات حزبية ولكل هوية خطاب وتصور وممارسة، إلا أن الإشكال في المغرب هو أن الاختلاف الأيديولوجي لا يتجسد ثقافيا، مما يتولد عن هذه الحالة غيابا للمشاريع الثقافية واضحة المعالم، وبالتالي فإن الأحزاب تفتقد إلى البوصلة الثقافية في الممارسة السياسية، وينبغي أن تستعيد هذه البوصلة في ممارساتها، لكن كل هذا لا يجب أن يسقطنا في التعميم، ولابد من تحديد الأحزاب التي يتم الحديث عنها، لأن هناك أحزابا دخلت الانتخابات بمقترحات بناءة في مجال الثقافة، وهناك أحزاب حظيت بدعم المثقفين والمشتغلين بمجالات الثقافة المختلفة.
جدير بالذكر، أن هذا اللقاء المنظم بمدينة المحمدية، تميز بتسيير وإدارة رئيس شبكة الفضاء الحر للمواطنة والتكوين والتنمية الأستاذ “محمد سيما”، ومداخلة أولى لمدير مشروع “من أجل سياسات ثقافية في قلب الاهتمامات الحزبية” الأستاذ “عبداللطيف الحاجي”، وهو المشروع الذي يندرج ضمن برنامج “السياسات الثقافية” الذي تشرف عليه مؤسسة المورد الثقافي، وقد قدم عبداللطيف الحاجي خلال هذه المداخلة بعض الخلاصات الأولية للدراسة التي ينجزها في إطار هذا المشروع حول “السياسات الثقافية في تصورات وبرامج الأحزاب السياسية بالمغرب”.
Post Views: 939