الحديث عن السياسات الثقافية في برامج الأحزاب السياسية، كما ورد مؤخرا في ندوة المحمدية التي نظمتها جمعية “شبكة الفضاء الحر”، وجمعية “المورد الثقافي”، أصبح اليوم منعدما في كل المشاريع التي تقدمت بها الأحزاب في الانتخابات الأخيرة، مقارنة بما كان يجري في فترات سابقة من التاريخ السياسي المغربي، عندما كان الصراع في أوجه بين القوى الإصلاحية والتقليدية، وبين الأحزاب التقدمية اليسارية والأحزاب اليمينية الموالية للسلطة، أي عندما كانت السياسة الثقافية هاجسا أساسيا من بين مقومات الإصلاح، التي كانت بعض الأحزاب تراهن عليها لوضع تصور مستقبلي كرافعة اقتصادية واجتماعية يمكن الاستثمار فيها لإصلاح الفرد والمجتمع، من خلال إصلاح التعليم، باعتباره من أولويات التطور ومواجهة تحديات العصر والتصدي لاكتساح العولمة.
كانت السياسات الثقافية تشكل هاجسا حقيقيا وجزءا أساسيا ضمن صراعات الأحزاب السياسية، لأنها تعتبر بمثابة التوجه الذي كان يضبط بوضوح خط وتوجه سياسات هذه الأحزاب، سواء على مستوى تكوين المناضلين، أو على مستوى التفكير في تغيير الوضع القائم آنذاك، كرهان مستقبلي لتحقيق الديمقراطية بكل أشكالها.
إن السياسات الثقافية في أدبيات وبرامج الأحزاب السياسية، كما جاء في عنوان الندوة التي أشرنا إليها سابقا، كان من بين مكوناتها في رسم الخطوط العريضة للتصور الإجمالي الاعتماد على آراء ونظريات المثقفين والفنانين، الذين كانوا تحت لوائها، حيث كان السياسي تابعا للمثقف ويحسن الإنصات إليه في تحديد البرامج الثقافية والعمل على انتقائها وتطبيقها، كما كان الحال في عدد من الأحزاب التي كانت تنادي بالتغيير، بينما اليوم انقلبت الموازين، كما حصل في كل المجالات الحيوية بالمغرب، فأصبح المثقف تابعا للسياسي، مما شكل هوة عميقة بين السياسي والمثقف، وغابت السياسات الثقافية في برامج الأحزاب.
ولهذا فإني أرجع (وهذا رأيي الشخصي) غياب السياسات الثقافية في أدبيات وبرامج الأحزاب السياسية إلى نوعية المنخرطين في هذه الأحزاب، واعتمادها في استقطاب المناضلين من منطلقات مادية واعتبارية في المجتمع، في غياب الاعتماد على شرط تكوين أطرها على مستوى التاريخ السياسي للحزب، أو على المستوى الثقافي بصفة عامة، فأفرزت هذه الوضعية نماذج جاهلة وهجينة، أصبحت تقرر وتشرع وتفرض أراءها داخل الحزب انطلاقا من مصالحها الذاتية، دون الإنصات إلى المثقف، لأنه لا يعرفه أصلا، ويجهل بوجود ما يسمى بالثقافة على الإطلاق، فكان لهذه الوضعية انعكاس على قرارات مصيرية تحت قبة البرلمان.
ولإنجاح أي مشروع، سواء كان ثقافيا أو اقتصاديا أو مجتمعيا، لابد من التركيز على معطيات حية في هذه المجالات انطلاقا من أرضية واقعية تخضع لشرط تطلعات المواطن المغربي، ولابد كذلك، من وجهة نظري، أن يتم التحسيس بأهمية السياسات الثقافية في أدبيات وبرامج الأحزاب السياسية، استنادا لما يصبو إليه المواطن محليا، أي على مستوى الحي والمدينة، قبل التفكير في المشاريع الهلامية التي لا تخص إلا فئة معينة.
وكمتتبع للشأن المحلي والوطني في المجال الثقافي، أرى بأن تفعيل دور الفنانين والاستشارة معهم في المجالس البلدية فيما يخص تأثيث الفضاءات الخارجية بنصب نحتية، للحد من الضغوط اليومية على المواطن المغربي وتحسيسه بأهمية الجمال في حياته العادية، كجزء أساسي في تكوينه وتهذيبه واحترامه للمنشآت العامة، هو نوع من الاستثمار في الفرد كطاقة وكمورد بشري، ليحافظ على هذه المنشآت وليس العكس.
وفي السياق نفسه، وما دام الأمر يتعلق بالسياسات الثقافية في الأحزاب السياسية، فإن ضرورة الحفاظ على ذاكرة المدن أصبح أمرا ملحا، خاصة أن شركات العقار التي لا تفكر إلا في الربح السريع أصبحت تغزو بشكل فظيع كل المساحات الخضراء، دون احترام شروط البناء بمساعدة المجالس البلدية المنتمية للأحزاب، أو مراعاة تراث المدن من بنايات ومواقع تاريخية، تعتبر جزءا لا يتجزأ من المشروع الثقافي في أدبيات الأحزاب السياسية، ولا يمكن أن تكتمل الرؤية الشمولية لهذه السياسات الثقافية إلا بدعم الجمعيات الجادة المحلية أولا والوطنية ثانيا، وتحفيزها على الاشتغال ومراقبة سير أشغالها على مستوى الحضور، وجودة الانتاج، مع توفير جميع اللوازم الضرورية لذلك، والعمل على تكريم المبدعين، وتسمية بعض الشوارع والأزقة والأحياء بأسمائهم، مع إعادة النظر في طريقة الاهتمام بحيز الثقافة في المنابر الإعلامية لهذه الأحزاب، كوسيلة للتواصل مع المثقفين والمبدعين واستدراك الهفوات والأخطاء من خلال آرائهم واقتراحاتهم.
مقال منشور بجريدة المساء عدد 16 يوليوز 2019
Post Views: 840