في عتبات النص الرحلي: “جراح المدن.. من درعة إلى شيكاغو” لعبدالعزيز الراشدي
عبداللطيف الحاجي – باحث في الصناعات الثقافية والإبداعية
توطئة
خصصت هذه القراءة للنص الرحلي “جراح المدن.. من درعة إلى شيكاغو”[1] في عتبات النص، منطلقا من المقاربة التي بلورها “جيرار جينيت”، الذي أدرك أن النص الأدبي لا يقدم للقارئ عاريا، حيث تحيط به مجموعة من المصاحبات اللفظية والأيقونية التي تشارك في إنتاج معناه وتوجيه قراءته، من قبيل اسم الكاتب والعنوان والعنوان الفرعي والإهداء والاستهلال والغلاف والفهرس وغيرها[2]، وقد صاغ جينيت لهذه المصاحبات مفهوما مركزيا هو “المناص paratexte” وهو ذلك النص الموازي للنص الأصلي، الذي لا يعرف إلا به ومن خلاله، والذي يجعل من النص كتابا يقترح نفسه على قرائه خاصة، وجمهوره المستهدف عامة، فهو أكثر من جدار ذي حدود متماسكة، نقصد به هنا تلك العتبة، بتعبير (بورخيس) البهو الذي يسمح لكل منا بدخوله أو الرجوع منه[3]. إنه إذن، بهذا المعنى، ما يحول النص إلى كتاب، ويمنحه هويته وحدوده وطريقة تلقيه، وبالتالي نحن أمام جوهر النص وليس مجرد هامش خارجي.
إن الوعي بالعتبات لم يتشكل، حسب سعيد يقطين، إلا بتوسع مفهوم النص، إذ “لم تكن العتبات تثير الاهتمام قبل توسع مفهوم النص. ولم يتوسع مفهوم النص إلا بعد أن تم الوعي والتقدم في التعرف على مختلف جزئياته وتفاصيل”[4]. وهذا يعني أن اختيارنا لمقاربة العتبات في هذه القراءة، ليس ترفا نقديا، بقدر ما هو ضرورة منهجية لتتبع كيفية اشتغال العتبة داخل النص وخارجه، وكشف العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، وبين النص وما يحيط به، ذلك أن المناص، حسب جينيت، يقسم إلى نوعين: المناص النشري/الافتتاحي وهو مناص الناشر، وتدخل ضمنه كل الإنتاجات التي تعود مسؤوليتها للناشر المنخرط في صناعة الكتاب وطباعته، والمناص التأليفي الذي يعود للمؤلف، وهو كل الإنتاجات والمصاحبات الخطابية التي تعود مسؤوليتها بالأساس إلى الكاتب/المؤلف، وينخرط فيها اسم الكاتب والعنوان والعنوان الفرعي والإهداء والاستهلال[5].
يحتل العنوان موقعا مركزيا في الجهاز المناصي، فهو من أهم عناصر النص الموازي، فبالإضافة إلى كونه مجموعة من العلامات اللسانية التي تظهر على رأس النص لتشير إلى محتواه الكلي وتجذب جمهوره المستهدف، كما أشار إلى ذلك “لوي هوك”[6]، فإن له وظائف التعيين وتحديد المحتوى وإغراء الجمهور، حسب جينيت، مع بقاء العنوان الأصلي ضروريا وفق معادلة: عنوان + مؤشر أجناسي، وظيفته إعلام القارئ بجنس العمل[7]، كما في عبارة “رحلات” على غلاف كتابنا موضوع القراءة. ولا تقتصر العتبات على الخارج، وإنما تمتد إلى العناوين الداخلية التي تكثف النص أو تفسره أو تضع القارئ في مأزق التأويل[8]. ومن هنا أهمية تسمية “فهرس الرحلة” لأنه يحول الفهرس من لائحة إحالة إلى عتبة سردية تكشف مسار الرحلة وتؤكد أن ثنائية درعة/شيكاغو، لا تدل على حصر جغرافي وإنما على اختيار قصدي منفتح على فضاءات أوسع.
ستقوم قراءتنا، من هذا المنطلق، لعتبات “جراح المدن.. من درعة إلى شيكاغو” على مساءلة العنوان بوصفه عتبة مركزية، من خلال الإشكال اللغوي في “جِراح/جَراح”، والمفارقة الجغرافية بين درعة وشيكاغو، ثم تحليل المؤشر الأجناسي “رحلات” على الغلاف، وقراءة “فهرس الرحلة” باعتباره عتبة سردية داخلية مع الانتقال من العتبة إلى المتن لبيان كيف تتحقق هذه العتبات داخل النص، وكيف توجه دلالته وتشكل تجربة القارئ.
قراءة العتبات: من العنوان إلى الفهرس
- التحدي اللغوي والمفارقة الجغرافية في عنوان المؤلف
يقول مثل شعبي “يعرف الكتاب من عنوانه”، فهل يستطيع قارئ، مهما علا شأنه في مدارج القراءة، أن يقدم مراجعة مستوفية لمنجز إبداعي من خلال عنوانه فقط؟؛ ذلك ما فكرت فيه أول ما اطلعت على عنوان النص الرحلي “جراح المدن.. من درعة إلى شيكاغو”، فقلت لنفسي “يا ولد، تعال نرفع التحدي”!
- راصد لجراح المدن أم جراح لأعطابها؟
لنبدأ من العنوان في شقه الأول إذن؛ اختلف بعض القراء في أن كلمة “جراح” هنا، تفيد “جِراح” (بكسر الجيم وفتح الراء، جمع جُرْح)، أم “جَرَّاح” (بفتح الجيم والراء المشددة، دلالة على مهنة الجراحة)؟
أعتقد أن السؤال هنا يتجاوز حدود الترف اللغوي ليفتحنا على إشكالية قرائية. ومع أن لوحة حقوق الكتاب باللغة اللاتينية في الصفحة الثانية، سرعان ما تغلق قوس الإشكال، لتثبت القراءة التي قصدها كاتبها وفهمها معظم القراء وذلك بتثبيتها العبارة هكذا (Jirah al-mudun)، إلا أنني أصررت على مواصلة القراءة وفق النطقين معا، خصوصا أننا بمغادرة العنوان قليلا، وإجراء إطلالة على المتن، سنجد أننا أمام كاتب يتجاوز رصد وتأمل جراح المدن وأعطابها، نحو ممارسة دور “الجَراح”، في كثير من الأحيان، بدقة مشرط يحاول العلاج وتجاوز السلوكات المرضية؛ تعالوا نقفز نحو الصفحة 66 من العمل، لنجد الكاتب يشخص مرض الاكفهرار الذي يصيب سكان المدن الكبرى “الابتسام في المدن الكبرى مثار شبهة غالبا. إذا ابتسمت لامرأة تعتقد أنك تتحرش بها، وإذا ابتسمت لرجل لا يفهم سبب ذلك (…) قال لي سائق الطاكسي، في كزابلانكا، إنه يعاني من جفاء الركاب بدوره. لا يحبون الابتسام، ويخبطون الباب بعنف عند النزول” لكنه يصر وهو في مدينة كبرى “فتحت حقيبة الظهر ثم ركبتها ومضيت. كتبت على ظهر ورق السندوتش: سوف أبتسم في المدن كلها، وفي ما يشبه المدن الخفاف، الثقال، مدن القطيعة ومدن الوصال، المدن الكاملة والمدن إلا ربع. سوف أبتسم ولا أبالي برد التحية”؛ هنا تتجلى القيمة الإنسانية لهذا النص الرحلي، فهو لا يكتفي برصد الجراح والعزلة الشديدة التي تعاني منها المدن الكبرى، وهي جراح متشابهة بين المدن في مختلف أنحاء العالم، وإنما يمارس دور “الجَراح” الاجتماعي الذي يسعى لمداواة الأعطاب اليومية المزمنة وتعديل الروتين الإنساني. يصر الكاتب إذن على التغيير والمقاومة بالجمال والابتسامة، أمام هذا العطب العابر للقارات والمدن، ولذلك يفتح حقيبة ظهره ويصيغ ميثاقا إنسانيا جديدا على ظهر ورق السندوتش.
يضعنا العنوان الفرعي، ظاهريا، أمام تقابل حاد بين جغرافيتين ومجتمعين، ويزيد من تعميق الإشكالية المرتبطة بالعنوان الأساسي؛ درعة حيث الواحة، والهدوء والسكينة ونوعا من الجمود الظاهري، ثم شيكاغو حيث الصخب والتعدد المجتمعي والجريمة والعنف… وهي الخصائص ذاتها التي جعلت من هذه المدينة/ الميتروبول مشتلا لتأسيس واحدة من أعظم المدارس العلمية في العلوم الاجتماعية، وهي “مدرسة شيكاغو”. لكن التدقيق في هذا التقابل ينفي وجود تناف أو اختلاف حاد؛ فدرعة، بالمحصلة، تتجاوز كونها مجرد واحة أو صحراء معزولة، لأنها امتداد لإمبراطورية تاريخية ممتدة في عمق التاريخ، وكانت ملتقى تاريخيا للشعوب والثقافات والتعدد الجغرافي والإنتاج الفني. إنها، إن صح التعبير، شيكاغو مغربية بسند تاريخي غني وتراكمي تجتمع فيه الاثنيات وتتعدد فيه الأصوات.
يدرك الكاتب تمام الإدراك بأن العنوان “يمثل بطاقة النص التعريفية، وهويته (…) وفي واقع الحال إن ملازمة العنوان للنص السردي، لا يجعل من مقاربته في متناول القراءة، بقدر ما تصبح مقاربة العنوان أمرا حيويا للإمساك بمكائد السرد ومراوغاته، فالكشف عن أسرار عنونته يعني كشفا لطرائقه في البنية والأسلوب وكيفيات التدليل لعلاماته”[9].
وذلك ما يجعلنا نعتقد بأن الاختيار في العنوان الفرعي لهذا النص الرحلي، بين درعة وشيكاغو، مع أنه بإطلالة بسيطة سنجد مدنا وفضاءات أخرى حاضرة، ناتج عن قصد، فالكاتب عبد العزيز الراشدي يعي هذه التناقضات والالتقاءات تمام الوعي؛ ذلك أنه، وإلى جانب كونه روائيا وأديبا راكم تجربة سردية لافتة، فهو أكاديمي يشتغل ضمن مناهج تجمع بين الأدب والعلوم الاجتماعية، ومتابع ذكي لدينامية الفن والثقافة وتعقيدات المجتمعات، وفاعل مدني على مستوى درعة وعلى امتداد الوطن؛ وأذكر هذه البطاقة التعريفية المختصرة جدا للكاتب، من أجل تأكيد الوعي بهذه التناقضات، التي تنعكس في نصه الرحلي، حيث يمكن أن نشير إليها من خلال مسبقات الكاتب؛ وللإشارة فللمسبقات دور أساس ضمن خصائص الرحلة، حيث تعكس ثقافة ما قبل الرحلة، وهي ثقافة موجهة ومهيئة للاستقبال، تتشكل من صور وأحلام وتخيلات ومعارف سماعية أو مستمدة من رحلات سابقة قابلة للتحويل والتأويل؛ وثقافة ما بعد الرحلة، حيث تصطدم هذه المسبقات بالمشاهدات فتؤدي إلى إدراك جديد، إما يضاف إليها أو يدمج فيها أو يمرر عبر المعطيات الأولى. ويكون الرحالة هو القطب البؤري في هذه التجربة، لأنه يروي ما شهد وسمع، فيبلور مسبقاته أو يصححها أو يعدلها، أو يخلخلها أو يفعلها، ضمن تحديد وضعيات الأنا والآخر[10]. ولنعود إلى مسبقات الكاتب في هذا النص الرحلي، وما يرتبط فيها بصورة شيكاغو التي أشرنا إليها، نجد في مفتتح النص عبارة بين مزدوجتين وكأنها مقدمة للرحلة كاملة “إذا كتب لي أن أعيش، ولم تصرعني رصاصة راعي بقر أمريكي، سأكتب أشياء كثيرة عن شيكاغو”، ثم سرعان ما يبدد هذا الحكم المسبق “لكن المدينة، أصلا، غير عابئة بقدومي. لا رعاة. الخواطر كلها مجرد أحلام تغذيها السينما والكتب”[11]، وحتى وهو داخل المدينة، بعد الوصول إلى مطار شيكاغو، لا زالت المسبقات توجهه، فنقرأ من الصفحة 5: “كأنما خرجت للتو من فيلم. لا ابتسامات في الصف. رجل أبيض متجهم ينظر إلي. أفكر في القانون الذي يمنعه من طعني، لا شك أنه يستكثر علي الدخول إلى هذه البلاد الخضراء الباردة” لتبدد أيضا هذه الصورة المغذاة بالمسبقات “فجأة، يكلمني بلطف ويحدثني ونحن في الصف عن سخافة المطارات وبؤس الانتظار، أفهم نادما أن ملامحه فقط، هي التي تتجهم في الانتظار، ولا تعبر عن الداخل”. لكن “شيكاغو” بالرغم من ذلك، تتوفر على خصائص أخرى لن نجد لها حضورا قويا إلا في مناطق درعة ورحلة الحافلة بين ثناياها، ويمكن أن نستشف ذلك من خلال هذه المقاطع التي عبر فيها الكاتب عن علاقة بين المكان/الفضاء والموسيقى والمكون الاثني والثقافي، فمن خلال المقطع الذي كان يقرأه من رواية “جاز” لتوني موريسون التي حرص على اصطحابها معه، عن “فتاة تركت ولدا صغيرا يحتاج للرعاية وذهبت لتشتري أسطوانة جاز حزين” يتساءل الكاتب “لماذا أسطوانة حزن بالذات؟ وما علاقة الجاز بالحزن؟ هل لأنه فن السود والمضطهدين؟”، ليكتب المصادفة الغريبة “أن شيكاغو مدينة السود تاريخيا، والجاز متأصل فيها، وسأزور بعد ذلك بارا يشتهر بالجاز، اسمه الكرين ميل (الطاحونة الخضراء)، حيث يعزف الفنانون الجاز، ويحتفلون بالشعر والموسيقى”[12]. ثم يعود في فصل “بريد تافيلالت”، ليحدثنا عن “الموسيقى التي في قاع الطبل الكبير” وعن الموسيقى التي “تحدث شقوقا في الذات. وحدة الوجود. تدخلني الموسيقى في شجن لذيذ. أقرأ قصائد حزينة لفروخ فرخزاد، وأفكر أن هناك علاقة بين الحزن والحواس القوية، فكلما تقوت حواسنا اندفع العالم بثقله إلى دواخلنا ووجودنا”[13]، ولعل ذلك يحدث في جغرافيتين لهما نفس الخصائص مما يجعلهما ينتجان موسيقى تشعر بالحزن في ظل التمتع بالحواس القوية.
- التعيين الأجناسي للنص من صفحة الغلاف وفهرسه
رغم أن العنوان كان كافيا لنفهم أننا أمام نص رحلي، وذلك من خلال ما توحي به حروف “من” و “إلى” ومكانين “درعة” و “شيكاغو”، من إشارات إلى التنقل والسفر، إلا أن التعيين الأجناسي للنص كان حاضرا على غلافه، وربما كتابته في أعلى الغلاف وبخط صغير، هو إقرار بأن العنوان كاف للتعيين؛ نجد عبارة “رحلات” التي في أعلى الغلاف صغيرة الحجم، لكنها دالة في وظيفتها، فهي تعيين أجناسي صريح ومقتضب، يشتغل كعتبة تصنيفية تسبق العنوان وتؤطره، فتكشف عن جنس النص قبل ولوج متنه. وكونها كتبت بخط أصغر لا يقلل من قيمتها، بقدر ما يجعلها أشبه بتوقيع أجناسي خافت يخدم العنوان ولا ينافسه، وكأنه يقول للقارئ: إن ما بين يديك رحلة.
لا يبقى هذا التعيين حبيس الغلاف فقط، حيث يأتي الفهرس ليؤكده من خلال انتظام عناوين داخلية على نحو يحاكي مسار الرحلة ومحطاتها، وأكثر من ذلك يسمى الفهرس في هذا النص “فهرس الرحلة”، ويأتي هكذا:
- رفقة بيكاسو في شيكاغو
- مرايا الثعبان الحديدي
- رحلة إلى مملكة بوهيميا
- بريد تافيلالت
- أيام في “أنتويرب”
- بين تزنيت وإفني: بريد الشاعر المنتحر
- القاهرة: غفوة الصيني
- شجون الرباط
نحن إذن أمام فهرس، بحكم تسميته أولا، وانتظام عناوينه ثانيا، أمام عتبة سردية قائمة بذاتها، وليس مجرد لائحة إحالة أو فهرسا محايدا؛ فهو يكشف أن الرحلة لا تنحصر في الثنائية المعلنة في العنوان بين درعة وشيكاغو، وإنما تمتد إلى فضاءات أخرى متعددة “شيكاغو، بوهيميا، أنتويرب، القاهرة، الرباط، تافيلالت، تزنيت، إفني…” ما يعني أن العنوان الرئيسي كان اختيارا مقصودا وليس حصرا جغرافيا، وأن الفهرس هو الذي يفضح هذا الامتداد ويؤكده.
ثم إن العناوين نفسها تتضمن مؤشرات دالة على طبيعة النص الرحلي؛ مثل الإحالة على المدن والفضاءات والأماكن أنتويرب، القاهرة، الرباط”، ورحلات أعلام مثل “بيكاسو”؛ حيث إذا تساءلنا عن علاقة “بيكاسو” بـ “شيكاغو” في العنوان الأول، سنجده يعكس سفرا آخر، مثير بالنسبة للكاتب، في مناقشته مع كاتبة أمريكية أخبرته بأن معهد شيكاغو ينظم على شرف بابلو بيكاسو معرضا فنيا، احتفاء بمرور مئة سنة على معرض “مخزن الأسلحة” الشهير، فيذهب الكاتب إلى المعهد، فيجدهم يعرضون أعمال الفنان، صور أصدقائه ولوحاتهم ومقتنياتهم الخاصة في كل مكان. لقد جمع المتحف كل ما له علاقة ببيكاسو وشيكاغو، ليخرج الكاتب بخلاصة مفادها بأن أمريكا ماهرة في تصيد كل شيء، فبالرغم من أن بيكاسو لم يزر أمريكا من قبل، إلا أن المتحف استطاع ربط بيكاسو بالمدينة[14]. وكأننا أمام رحلة لم تحدث في واقع الفنان إلى شيكاغو، رحلة شملت فنه، ولكن في قالب متصيد للفرص التي تساهم في إشعاع مدينة، وتدخل في إطار صناعة ثقافية متقدمة. كما تحيل العناوين على فضاءات رمزية أو متخيلة “مملكة بوهيميا”؛ التي ستجد أنها تحيل على دولة التشيك، عبر مدخل أحد منها “براغ” التي تشعرك بأنك تعيش في فيلم تاريخي، “برج في كل مكان ننقاد إليه، كاتدرائيات وقلاع وحصون؛ تاريخ ملوك بوهيميا ينسكب كماء ذهبي بين الأزقة”[15]. ثم “مرايا الثعبان الحديدي” الذي يقدم صورة لواقع إدارة “السكك الحديدية” التي تنعكس في المرآة كثعبان لا سبيل لمقاومة ما يبثه من سموم. كما نجد في الفهرس عناوين تحيل على صيغ تراسلية “بريد تافيلالت، بريد الشاعر المنتحر”، والتي تؤكد ما سنحيل عليه من هجوم للنص الرحلي على حقول متعددة. كل ما أشرنا إليه، يجعل من الفهرس أشبه بخريطة مصغرة تجمع بين الجغرافي والرمزي، ويحضر فيها الواقعي والمتخيل، وتجهز القارئ لرحلة مركبة تنقل التجارب والأصوات والذوات ولا تكتفي بنقل الأمكنة، بالإضافة إلى إعلان، يمكن أن نستشفه، عن حقول متعددة، وهو ما يميز هذا النوع الأدبي، ذلك أن “الرحلة نص مفتوح لا يمكنه أن يتسيج في خانة محددة تجنسه بصفة معينة تضيق من تحرره واتساعه وانتشاره و”هجومه الضروري” على حقول أخرى. لهذا، فإن القول بنصيتها هو انفتاح على دينامية الرحلة، وعلى خطاباتها المستندة على طرفي الذات والآخر، وجسور التعبيرات المختلفة عنهما وحولهما”[16].
وهكذا يتكامل التعيين الأجناسي على الغلاف “رحلات” مع التعيين السردي في الفهرس “فهرس الرحلة”، ليتشكل لدينا إطار قرائي واضح؛ نحن أمام نص رحلي، وهي رحلة متعددة الطبقات والجغرافيات وليست رحلة خطية بين نقطتين.
خاتمة العتبات
يمكن القول، ختاما، إن هذه القراءة لعتبات “جراح المدن.. من درعة إلى شيكاغو” كانت محاولة للإمساك بآليات الاشتغال النصي عبر مداخله الأولى، انطلاقا من فرضية مفادها بأن العتبات ليست هامشا خارجيا، وإنما هي جوهر النص وطريقة تلقيه.
كشفت القراءة أن العنوان، بوصفه العتبة المركزية، كان مفتاحا قرائيا بامتياز؛ فالإشكال اللغوي في «جِراح/جَراح» فتحنا على إشكالية دور الكاتب بين الرصد والعلاج، وهو ما أكّده المتن في أكثر من موضع، حيث يمارس الكاتب دور «الجَراح» الاجتماعي الذي يسعى لمداواة الأعطاب اليومية المزمنة. كما أن المفارقة الجغرافية بين درعة وشيكاغو، التي بدت في الظاهر تقابلا حادا، سرعان ما انكشف أنها تكامل لا تناف، وأن درعة ليست مجرد واحة معزولة، وإنما هي، كما حاولنا المجازفة، “شيكاغو مغربية” بتراكمها التاريخي وتعددها الثقافي.
وإذا كان العنوان قد قدم لنا بطاقة النص التعريفية، فإن التعيين الأجناسي “رحلات” على الغلاف جاء ليثبت هذا التوجه ويكشف عن جنس النص قبل ولوج متنه، في توقيع أجناسي خافت يخدم العنوان ولا ينافسه. لكن هذا التعيين لم يبق حبيس الغلاف، حيث امتد إلى “فهرس الرحلة” الذي تحول من لائحة إحالة إلى عتبة سردية قائمة بذاتها، تكشف عن امتداد الرحلة إلى فضاءات متعددة: شيكاغو، بوهيميا، أنتويرب، القاهرة، الرباط، تافيلالت، تزنيت، إفني… مما يعني أن ثنائية درعة/شيكاغو في العنوان الرئيسي كانت اختيارا مقصودا، لا حصرا جغرافيا.
وهكذا، يتكامل التعيين الأجناسي على الغلاف مع التعيين السردي في الفهرس، ليتشكل لدينا إطار قرائي واضح: نحن أمام نص رحلي، لكنه رحلة متعددة الطبقات والجغرافيات، لا رحلة خطية بين نقطتين. وقد أظهرت العناوين الداخلية، بحكم تنوعها بين الإحالة على الأعلام (بيكاسو) والمدن (شيكاغو، أنتويرب، القاهرة) والفضاءات الرمزية أو المتخيلة (مملكة بوهيميا، الثعبان الحديدي) وصيغ التراسل (بريد تافيلالت، بريد الشاعر المنتحر)، أن هذا النص الرحلي ينفتح على حقول متعددة، ويؤكد أن “الرحلة نص مفتوح لا يمكنه أن يتسيج في خانة محددة تجنسه بصفة معينة تضيق من تحرره واتساعه”.
وبالعودة إلى السؤال الذي انطلقنا منه: هل يستطيع قارئ أن يقدم مراجعة مستوفية لمنجز إبداعي من خلال عنوانه فقط؟ يبدو أن الجواب يظل مواربا بين “لا” و”نعم”، إلا أن ما يتم تأكيده هو أن العنوان يظل الباب الأول الذي لا يمكن تجاوزه؛ فهو يفتح الشهية للقراءة، ويوجه التأويل، ويكشف عن قصدية الكاتب. ولاستيفاء المراجعة يقتضي تجاوز العنوان إلى باقي العتبات، ثم إلى المتن نفسه. وهذا ما حاولنا فعله في هذه القراءة، التي لم تكتف بمساءلة العتبات، وإنما سعت إلى تتبع كيفية تحققها داخل النص، وإلى بيان كيف توجه دلالته وتشكل تجربة القارئ.
ويبقى هذا النص الرحلي، بما يحمله من عتبات غنية وعناوين دالة، دعوة مفتوحة لمزيد من القراءات التي تستكشف طبقاته المتعددة، وتكشف عن الحقول التي يهجم عليها، وعن الأصوات التي يحتضنها، وعن التجارب الإنسانية التي ينقلها. فكما أن الرحلة لا تنتهي عند الوصول إلى شيكاغو، فإن قراءة العتبات لا تنتهي عند العنوان، بل تظل مفتوحة على التأويل، تماما كالنص الرحلي نفسه.
الهوامش:
[1] – للكاتب عبدالعزيز الراشدي، “جراح المدن.. من درعة إلى شيكاغو”، منشورات المتوسط-إيطاليا، ط1: 2013.
[2] -عبدالحق بلعابد، “عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص)”، منشورات الاختلاف – الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت، ط1: 2008، ص 27 وما بعدها.
[3] -عبدالحق بلعابد، “عتبات….”، سبق ذكره، ص44.
[4] -سعيد يقطين، من مقدمة كتاب “عتبات…” لعبدالحق بلعابد، ص 14.
[5] -عبدالحق بلعابد، “عتبات…”، سبق ذكره، ص.ص 45-48.
[6] -(ليو هوك Léo Hoek -) هو ناقد سيميائي فرنسي بارز، ويعتبر أحد أهم المؤسسين والرواد في علم العنوان (أو ما يعرف بـLa Titrologie)(وطئة:انتقال من العتبة إلى المتن لبيان كيف تتحقق هذه العتبات داخل النص، وكيف توجه دلالته وتشكل تجربة القارئ.جغرافي وإنما على اخت.
[7] -يمكن العودة إلى عبدالحق بلعابد، الصفحات: 67، 68، 74، 89.
[8] -عبدالحق بلعابد، “عتبات…”، سبق ذكره، ص 124 وما بعدها.
[9] -عبدالحق منصور بوناب، “عتبات النص الرحلي: كتاب الأيام (أسفار لا تخشى الخيال) لشعيب حليفي”، مجلة منتدى الأستاذ، العدد الثامن عشر (جوان 2016)، ص 72 وما بعدها.
[10] – شعيب حليفي، ” الرحلة في الأدب العربي.. التجنس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل”، الهيئة العامة لقصور الثقافية، كتابات نقدية شهرية (121)، أبريل 2002، ص 86.
[11] -عبدالعزيز الراشدي، “جراح المدن.. من درعة إلى شيكاغو”، ص5.
[12] -جراح المدن…، ص7.
[13] -جراح المدن…، ص54.
[14] -جراح المدن… ص12.
[15] -جراح المدن… ص37.
[16] -شعيب حليفي، ” الرحلة في الأدب العربي.. التجنس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل”، الهيئة العامة لقصور الثقافية، كتابات نقدية شهرية (121)، أبريل 2002، ص 40.
في عتبات النص الرحلي جراح المدن
Post Views: 14